اعداد المركز اللبناني للمعلومات – لبنان: لعل كلام عضو "كتلة الوفاء للمقاومة" النائب نواف الموسوي عن "وعود أعطيت لمرجعيات سياسية ودينية بأنها إذا مشت في تأييد المحكمة الدولية فسيجري تعديل الدستور وتغيير اتفاق الطائف للعودة الى صيغة عام 1943" هو عدا عن كونه كلاما مختلقا ومفبركا دليل إرباك وقلق في آن من قبل "حزب الله" على الغطاء المسيحي الذي يعول عليه الحزب وبدأ يلمس جديا انحساره وعدم فعاليته. فالحزب الذي قرأ جيدا نتائج الانتخابات النيابية ومن ثم البلدية، اعتقد لوهلة أن سقف التراجع العوني وقف عند حد معين، وهذا الحد يبقى مقبولا، بالنسبة إليه، لمنحه الغطاء المطلوب، ولكن ما لم يكن في حسبان الحزب تمثل في سلسلة مفاجآت من العيار الثقيل لعل أهمها:
أولا: فشل محاولات تحييد البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير الذي وقت دخوله مجددا على خط الأزمة القائمة في لبنان في لحظة حرجة وطنياً ومصيرية كيانياً من خلال تأكيده مراراً "ضرورة أن تأخذ المحكمة الدولية الخاصة بلبنان مجراها حتى لو ولّد القرار الظني تداعيات"، وهذا الدخول البطريركي أقلق ويقلق "حزب الله" لجملة أسباب أبرزها:
1- يرجح كفة فريق "14 آذار" على فريق "8 آذار"، ليس من زاوية اصطفافه السياسي كون البطريركية لا تدخل في اصطفافات سياسية لا من قريب ولا من بعيد، إنما من زاوية اتخاذها مواقف مبدئية ووطنية تعيد عبرهما تظهير مواقف الكنيسة وثوابتها التاريخية.
2- يمنح مسيحيي "14 آذار" مزيداً من المشروعية، هذه المشروعية التي كونوها أساسا بفعل سياساتهم ونهجهم وثوابتهم التي لم تختلف يوما في القضايا الاستراتيجية والمصيرية عن ثوابت الكنيسة المارونية.
3- يعطي لهذا الصراع بعداً وطنياً في ظل محاولات مذهبته، وهذا ما يدعم موقف مسيحيي "14 آذار" بإبقاء الصراع ضمن إطار 8 و14 وعلى أساس مشروعين سياسيين مختلفين ومتناقضين.
4- يحرج النائب ميشال عون داخل بيئته المسيحية، لأن رؤيته تتناقض مع رؤية الكنيسة حيال أدوار كل من "حزب الله" وسوريا وإيران، كما حيال نظرة الكنيسة إلى دور لبنان وعلاقاته مع الشرعيتين العربية والدولية.
5- يساهم في إبقاء العين الدولية ساهرة على لبنان، لأن المجتمع الدولي ينظر باهتمام إلى وجهة نظر البطريرك في القضايا الوطنية كونها منزهة عن أي أهداف سياسية خاصة، وهذا ما يحول دون تغيير وجه لبنان والانقلاب على الجمهورية اللبنانية.
ثانيا: فشل محاولات تحييد مسيحيي "14 آذار" عن مسلميها الذين تصدروا المشهد السياسي مجددا من خلال النداء الذي أطلقوه من بكركي تحت عنوان "نداء من أجل لبنان" في دعوة صريحة إلى المسيحيين "لتحمل مسؤوليتهم التاريخية في الدفاع عن لبنان الكيان"، ولعل الدافع وراء هذه الخطوة يكمن في الآتي:
أ- الرد على مقولة إن الصراع القائم هو بين السنة والشيعة وإن المسيحيين غير معنيين في هذا الصراع.
ب- استعادة المبادرة السياسية في لحظة مصيرية وطنياً.
ج- التأكيد مجدداً على دور المسيحيين كرأس حربة في الدفاع عن الكيان في ظل محاولات ترغيبهم وترهيبهم لتحييدهم وتقزيم اهتماماتهم من اهتمامات لبنانية وطنية إلى فئوية أقلوية.
د- وضع حد نهائي لأي كلام عن تموضوع المسيحيين الذي أعاد البيان – النداء تحديد طبيعته بأنه بين مشروعين لا ثالث لهما، لبنان المستقل في مواجهة لبنان المستتبع.
ثالثا: فشل محاولات تحييد مسيحيي "14 آذار" عن "القوات اللبنانية"، على غرار فشل محاولات تحييد الرئيس سعد الحريري عن الدكتور سمير جعجع، والتي تدخل جميعها في سياق استفراد "القوات" لضربها وضرب الشراكة المسيحية – الإسلامية وتحويل المسيحيين إلى كتلة خائفة وانسحابية تتوسل حماية خارجية أو بارودة غير شرعية، وقد نجح الدكتور جعجع في سلسلة المواقف التي اتخذها في إعادة الاعتبار إلى دور المسيحيين التاريخي في الدفاع عن لبنان ودوره والجمهورية ومؤسساتها إن من خلال تأكيده أنه "حتى المحكمة الدولية باتت هدفا ملحقا بالهدف الأكبر" وهو "رأس هذه الدولة، بل رأس الجمهورية" أو عبر تشديده على أنه "لا يمكننا ولا يجب علينا، في صراع يخص البلد بأسره، أن نكون على الحياد لأن في ذلك استقالة من ذاتنا ومن دورنا".
رابعا: فشل محاولات إيهام الرأي العام المحلي والدولي أن خيارات النائب ميشال عون ما زالت تحظى بتأييد الشارع المسيحي، إذ جاء الانتصار المدوي في الانتخابات الجامعية الطالبية لمصلحة مسيحيي "14 آذار"، ليؤكد أن المزاج المسيحي ابتعد كليا عن عون الذي بات أسير تحالفه مع "حزب الله" وخياراته التي لا تنسجم مع تطلعات المسيحيين، وما استقباله من قبل الرئيس الفرنسي إلا تلبية لإلحاح سوري، بعدما ارتضى عون أن يتحول مجرد قناة اتصال وظيفته تسويق سياسات "حزب الله".
تأسيسا على ما تقدم، يبدو أن بعض الأمور اختلطت على النائب الموسوي الذي ظن أن المسيحيين يميلون بهذا الاتجاه أو ذاك وفقا لما يغدق عليهم من وعود وليس انطلاقا من قناعاتهم الراسخة وثوابتهم التاريخية، وقد يكون سبب اعتقاد الموسوي حليفه ميشال عون الذي يميل وفق مصالحه الشخصية. فاعتبر أن ما ينطبق على عون ينسحب على كل المسيحيين، وهذا خطأ فادح يدل على أن صاحبه حديث التجربة وفاقد لأي إطلاع على تاريخ لبنان الذي هو جزء لا يتجزأ من تاريخ المسيحيين.
ولعله كان الأجدى بالموسوي، طالما أراد أن يفبرك رواية تبريرا لتراجع الحالة العونية أو رفضا للإقرار بالتفاف المسيحيين حول طروحات "14 آذار"، أن يفبرك ما يمكن تصديقه، لأن من يريد تغيير الطائف هو "حزب الله" نفسه وميشال عون تحديدا كونهما لم يوافقا أصلا على الطائف وما زالا يتحينا الفرص المناسبة للانقلاب عليه، بينما المرجعيات السياسية والدينية التي قصدها الموسوي هي التي أمنت الغطاء للطائف ودفعت ثمن تأييدها له (البطريرك صفير والدكتور جعجع)، وهي من أكثر المطالبين بتنفيذه، ولا سيما في بنوده السيادية (نزع سلاح الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وبسط سيادة الدولة على كامل أراضيها)، قبل التفكير في أي تعديلات لها علاقة بما أظهرته الممارسة من ثغرات من دون المس بجوهر هذا الاتفاق الذي يرتكز على المناصفة المسيحية – الإسلامية وعلى مرجعية الدولة وينص من ضمن آلياته على مبادئ تطويره باتجاه الدولة المدنية، الديمقراطية والحديثة.