“اللعب بالنار” في لبنان “خط أحمر”

مأسسة العلاقات اللبنانية ـ الايرانية ضرورية وتطويرها بدعم الوحدة الوطنية والاستقرار
"اللعب بالنار" في لبنان "خط أحمر"

 
توجد عملية سباق مع الوقت، وليس مجرد تقطيع للوقت، من أجل تشكيل شبكة أمان تضمن الأمن والاستقرار للبنان في مواجهة الاستحقاق الكبير الذي سيواجهه مع صدور القرار الظني للمحكمة الدولية. التوافق قائم بقوة بين مختلف القوى العربية والاقليمية والدولية حول ضرورة صناعة "شبكة" الأمان بسرعة، مثلما ان الاجماع قائم بين القوى نفسها على "ان اللعب بالنار في لبنان، "خط أحمر ممنوع على الجميع داخلياً أو خارجياً كسره أو تجاوزه". يوجد شعور وربما أكثر من ذلك معلومات وتأكيدات "ان نار اللبننة هذه المرة خطيرة جداً لن يستطيع أحد التخلص أو الهرب منها. أي فتنة تقع في لبنان خارجة من "برميل البارود" المذهبي ستحرق أيدي الجميع. أيضاً مهم جداً لا يمكن أن تحل الأزمة في العراق المهم جداً للجميع من طهران الى واشنطن ومن دمشق الى الرياض فأنقرة، ويترك لبنان قابلاً للحريق، يهدد من جديد العراق والمنطقة.

التداخل قائم بين لبنان والعراق مئة بالمئة. لم يتم التوصل الى الاتفاق إلا بعد انخراط كل القوى الاقليمية والدولية والعراقية في التسوية. التهدئة والسلم الأهلي شرط واجب في العراق، وهو نفسه شرط ملزم في لبنان، لأن القوى الخارجية ذاتها. أكثر من ذلك لا يمكن لحزب الله مهما كانت "يده في النار" أن يدعم الاتفاق في العراق بالعمل على اقناع السيد مقتدى الصدر و"المهدويين" بالتهدئة والانضمام الى حكومة الوحدة الوطنية، وفي الوقت نفسه تحويل الخلاف في لبنان الى انفجار.

دمشق أيضاً لعبت دوراً مهماً في اخراج العراق من أزمته بالتعاون مع طهران وأنقره والرياض وهي حققت مكاسب ستظهر آثارها ومفاعيلها في تشكيلة الحكومة العراقية من وفي "الأرباح الجيدة اقتصادياً التي ستجعلها خصوصاً على صعيد النفط والاستثمارات". دمشق مهما كانت ترغب باستعادة لبنان "درة التاج" في مساراتها كرقم صعب في المنطقة، لا يمكنها استبعاد التداخل القائم بين مختلف الدوائر في المنطقة خصوصاً بين العراق ولبنان.

حسابات الدول، بالتأكيد غير حسابات القوى المحلية مهما كان موقعها قوياً وحساساً وفعالاً. للدول مهما كان حجمها كبيراً أو صغيراً مصالح واسعة متعددة الاتجاهات، لا بد أن تأخذها بعين الاعتبار في حساباتها وخياراتها.

طهران واحدة من هذه الدول التي تنشط منذ سنوات لدخول نادي الدول الكبيرة التي تحقق لها "الشراكة" في صياغة الاستراتيجيات المتعلقة بمنطقة الشرق الأوسط وبالتحديد على امتداد "قوس الأزمات" من جهة و"قوس الدول الاسلامية" من جهة أخرى. استقبال طهران للرئيس سعد الحريري، لم ينجز بين ليلة وضحاها. اقتضى التحضير له أكثر من ستة أشهر حتى نضجت أسبابه.

الزيارة أثبتت وجود "علاقات جيدة" بين البلدين. لكنها أكدت أنها بحاجةً لمزيد من التطوير وضرورة دعم الوحدة الوطنية والاستقرار". هذا الهدف يتم أولاً وأخيراً عبر اقامة علاقات قوية ومتينة من دولة لدولة. باختصار العمل على "مأسسة" العلاقات الايرانية اللبنانية، حتى مع استمرار طهران في دعم "حزب الله" حتى "تحرير القدس"، مع ان مثل هذه المهمة أكبر من للبنانيين بكثير لأنها تحولهم الى "لحم مدافع" في حين ينعم الآخرون بالتنمية والازدهار والطمأنينة على وقع الدعم بالسلاح والخطابات. حتى اشعار آخر من الممكن استمرار هذه العلاقات المزدوجة لكن من المستحيل ديمومتها.

السؤال الكبير حالياً، هو هل مسار التسويات المفتوح يمكن أن يبقى مفتوحاً على خطين وبرعاية دائمة من المعادلة المعروفة بالـ"س س" أي سوريا والسعودية وبدعم من الجمهورية الاسلامية في ايران، أم ان هذا المسار سيتوقف، ويقوم "حزب الله" بفرز خياراته، اذا ما صدر القرار الظني وتحولت الظنون الى بنود وادانات وينفذ الأكثر تشاؤماً منها؟ وماذا سيكون موقف طهران، هل تذهب بعيداً مع قرار "الحزب" أو تحافظ على دمها البارد لأن حسابات مصالحها في المنطقة أكبر بكثير من اندفاع الحزب نحو المواجهة؟ وماذا عن دمشق.

زيارة الرئيس بشار الأسد إلى باريس مهمة جداً، لا بل انها ستكون زيارة مفصلية على جميع الصعد. عندما يصل الأسد إلى باريس خلال الأيام العشرة القادمة يكون الرئيس نيكولا ساركوزي قد أنهى بدوره "قراءة الخريطة السياسية اللبنانية" بشكل نهائي، بعدما التقى هو وفريق عمله كل الأفرقاء اللبنانيين، وتوقيت الزيارة سيكون مهماً، سواء إذا جاء قبل أو بعد صدور القرار الظني. الرئيس الاسد يعرف جيداً ان الرئيس ساركوزي لا يمكنه ولا يريد تعطيل قرار المحكمة. السؤال ما العمل "لاحتواء ارتدادات صدور القرار بشكل جيد يضمن مرور العاصفة بأقل اضرار ممكنة؟".

لا شك ان المهمة الأولى بالنسبة للرئيس نيكولا ساركوزي مدعوماً من الاتحاد الأوروبي وبالتفاهم مع واشنطن عدم تحويل القرار الظني إلى "سلاح للانتقام بدلاً من أن يكون لتحقيق حماية لبنان مستقبلاً من سلاح الاغتيالات وتعريض سلمه الأهلي لكافة الأخطار. هذه المهمة ليست سهلة، بالعكس صعبة جداً. الرئيس بشار الأسد الذي يريد ويعمل على استمرارية "القاعدة الذهبية التي صاغها والده الراحل الرئيس حافظ الأسد بأن تكون سوريا "الرقم الصعب" في السلام والحرب"، لا بد أن يأخذ في الاعتبار كل الاحتمالات والالتزامات الاقليمية والدولية في الاعتبار وهو يتعامل مع الأيام المقبلة الدقيقة في الأزمة اللبنانية.

أما طهران التي رغم كل الهدوء القائم على سطح حياتها اليومية، فإنّها تشعر بخطر "الحرب الناعمة" التي تتطور يوماً بعد يوم ضدها. تمدد هذه "الحرب" وتعدد دوائرها بدأ يشغل الأوساط السياسية في طهران. اغتيال العالم النووي في قلب طهران وفي منطقة سعد آباد المفترض أنها مؤمنة ومأمونة يؤكد وجود اختراقات أمنية خطيرة جداً. لذلك من مصلحتها الاستراتيجية أن تقيم جسور الثقة مع محيطها الجغرافي لتكون شبكة أمان خارجية لها. بالنسبة لهذا المحيط الجغرافي العربي، فإن أمن واستقرار لبنان "خط أحمر" يجب أخذه بعين الاعتبار في كل الحسابات والاتصالات والاتفاقات.

كانون الأول، شهر للاختبارات. الآن تتم صياغة السلام أو الحرب في المنطقة عبر لبنان. القول أن أمن واستقرار لبنان من أمن واستقرار المنطقة والعكس صحيح، ليس مجرد شعار. انه واقع.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل