نموذج التعامل مع "شهود الزور" ضاعف المحاذير
التسوية المفترَضة لا تعرض إلا التنازلات
تثير مطالبة الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله رئيس الوزراء سعد الحريري بتسوية تسبق احتمال اتهام القرار الظني المرتقب للمحكمة الخاصة بلبنان اعضاء من الحزب، اهتماما من زاويتين على الاقل، بالنسبة الى مصادر ديبلوماسية غربية: الاولى تتصل بمعرفة ما يعرضه الامين العام للحزب على رئيس الحكومة في ما يمكن اعتباره صفقة، والاخرى تتصل بإصراره على التمسك بالمساعي السورية السعودية دون سواها من المساعي. وتعتقد هذه المصادر ان التمسك بهذه المساعي مبني على واقع لا يحكى عنه بصوت مرتفع في لبنان، ويرتبط بانشغال السعودية بشؤون كثيرة، بينها مرض الملك عبدالله بن عبد العزيز والاحتمالات التي يثيرها، اضف ان الانشغال السعودي باستتباب الامن في العراق برهان الرياض على تدخل سوري لدى رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي قبل الاتفاق على الحكومة العراقية، كان احد الاسباب للمسايرة السعودية المبالَغ فيها لسوريا ولو على حساب لبنان، من خلال تسوية الامور في لبنان بما يتلاءم والمصلحة السورية. وهو الامر الذي يفترض حلفاء سوريا في لبنان انه مستمر وقائم بصورة اكثر فاعلية بعد الحادث الصحي الذي ألمَّ بالعاهل السعودي ويمكن ان يساهم في الضغط على الحريري من اجل عقد تسوية تطيح القرار الظني والمحكمة. ففي ظل معادلة "سوريا – السعودية" تتمتع سوريا بالزخم الكامل للحصول على ما تريد، في حين ان المجتمع الدولي الداعم للمحكمة يمكن ان يجد نفسه في موقع حرج في حال ضغطت المملكة على الحريري من اجل تسوية لمصلحة الحزب وسوريا. وهو امر ليس مرحبا به في الخارج، لان اخضاع الواقع اللبناني للضغط على هذا النحو سيطيح امكان استقراره في المستقبل. اذ تأخذ هذه المصادر نموذجا على ذلك التصريحات التي ادلى بها الرئيس الحريري حول ما بات يعرف بملف "شهود الزور" لان التسمية لا تصح في اي حال على مرحلة ما قبل صدور القرار الظني والمحكمة وفق ما تقول هذه المصادر، وهو ملف سياسي خالص، اذ فتحت ابواب الحملات التصعيدية التي لم تنته منذ صدور هذا الموقف الذي كان خطأ في نظر هذه المصادر لانها اظهرت رئيس الحكومة في موقع ضعيف سمح للاطراف الآخرين بالانقضاض عليه فورا. واي "تسوية" من النوع الذي يجري السعي اليه ستفتح باب التنازلات التي لا تنتهي في ظل اعتقاد انها تحصل في ظل الخوف ونجاح سياسة الضغط والتخويف والتهويل.
اما في الشق المتعلق بالمقابل المعروض على الحريري في التسوية المفترضة، فان ما استقته هذه المصادر من معلومات يفيد ان المعروض هو ترك الحكومة برئاسة الحريري تحكم. وهو امر لا قيمة له في اي سياق كان، لان عرقلة الحكومة وفتح الملفات سيستمران، وغالبا ما وقف الحزب وراء مواقف حليفه المسيحي ليقول لاحقا انه لا يمون عليه وعلى وزرائه في حين ان احد مبررات الحضور السياسي لهذا الاخير مرتبط بالصراعات الجانبية التي يفتحها في وجه خصومه.
وعلى رغم ان هذا الامر تفصيلي، فهو مهم في السياق الداخلي علما ان الاهم هو ما يمكن ان يعرضه الحزب وما يمكن ان تعرضه سوريا ايضا، اذ ان الاخيرة بدخولها على خط الازمة من خلال مذكرات التوقيف السورية، على رغم ان علاقتها مع الحريري كانت تسير على نحو جيد ومقبول، اظهرت انها معنية بدورها بالقرار الظني، خلافا لما ما كانت تظهره للعلن. وتاليا فان خروجها الواضح لدعم "حزب الله" في معركته يتصل ايضا بمنع صدور القرار الظني. لكن لم يسمع احد انها تعرض اي مقابل على الحريري من اجل مساهمته في اتخاذ المواقف التي تعرقل عمل المحكمة او تبطلها، كتلك التي يطلبها الحزب من الحريري بالاصالة عن نفسه وبالنيابة عن سوريا، في حين ان هناك الكثير مما يمكن ان يقدمه الطرفان. لكن احدا لم ير شيئا على الطاولة، كما لم يظهر بعد ان سوريا تعرض اي شيء في التسوية المطلوبة من الحريري، وكذلك الامر بالنسبة الى الحزب.