يُدرك اللبنانيون "ضمناً" أن "الحوار وطاولته" بات معضلة تحرج فخامة رئيس البلاد والرئاسة بناءً على ما نصّ عليه اتفاق الدوحة لناحية استئناف الحوار عام 2008، ويُدرك اللبنانيون أن "مناورة" حزب الله التعطيلية الأخيرة التي تولى تنفيذها كالعادة النائب ميشال عون فأعلن مقاطعة طاولة الحوار وتضامنت معه "ما يُسمى" بالمعارضة سابقاً، في "سيناريو" فاشل ومستعاد مئات المرات، وهذه المقاطعة جاءت رداً سريعاً على رئيس البلاد لميله إلى تجنب التصويت في مجلس الوزراء على "ما يُسمى أيضاً" بملف الشهود الزور، فكانت المقاطعة ضغطاً على الرئيس عل وعسى ترضخ الرئاسة!!
ويتفهم اللبنانيون هذه المحاولة التي يبذلها الرئيس لإعادة الروح إلى طاولة الحوار وانعقاد مجلس الوزراء، بل ويثمنونها عالياً، خصوصاً أن فخامته يحملُ أعباء ثقيلة بل يحمل مجموعة من القنابل غير المنفجرة والمنزوعة الصواعق ويسعى لتجنيب البلاد انفجارها في لحظة عبث بها، وبقدر ما تبدو هذه الجهود مجرد محاولات ستذهب أدراج الرياح على اعتبار حال "التنحرة" الضاربة أطنابها في المحاولة الأخيرة والمستميتة لحزب الله لتعطيل المحكمة الدولية وإسقاط معاقبة أعمال القتل لفرض الاغتيال السياسي أمراً واقعاً على لبنان!!
إلا أن الخطوة التي يتمنى اللبنانيون أن يخطوها فخامة رئيس البلاد هي إعادة الاعتبار للدستور اللبناني لا لطاولة الحوار "الميت" الذي تحللت جثته و"أنتنت" من كثرة التكاذب بين أفرقائه "المُلهمين"، وإعادة الاعتبار للدستور اللبناني تقضي بتطبيق أحكامه لا الاستمرار في محاولة تثبيت تعطيل البلد بموجب هذه التركيبة المعطوبة والمتنافرة للحكومة التي عطّلت نتائج الانتخابات النيابية وكانت الطامة التي أغرقت لبنان "الثلث المعطل" بالإكراه، فحزب الله أثبت وبما لا يقبل الشك أنه "لا يقدر" على ممارسة الديموقراطية ولا تقبّلها ولا الاعتراف بالآخر وأنه حزب "فوضوي" على مستوى ممارسة السياسة والحكم فهو إما أن يفرض رأيه على الجميع وإما يأخذ البلاد إلى التعطيل والتكبيل لترك المؤسسات في حال شلل!!
حان الوقت ليملك سياسيو هذا البلد الجرأة لمصارحة حزب الله بحقيقة فشله السياسي الذريع، وأنه حزب ضد الدولة اللبنانية وضد الشعب اللبناني، وأن سياسة البلاد والعباد لا تنفع معها الشعبوية ولا الخطابات التعبوية، وأن إطلالات أمين عام حزب الله لا تطعم الناس ولا تسقيهم ولا تسير أمورهم، وحان الوقت للبحث في حقيقة وأبعاد وأخطار الدور التعطيلي الموكل إلى الحزب تنفيذه!!
المطلوب من الرئاسة والرئيس رد الاعتبار للدستور اللبناني بتطبيقه لا بتطبيق الوثيقة السياسية لحزب الله والتي شكلت دستوراً رديفاً تعطيلياً للدستور اللبناني إلى حين تمكن الحزب من وضع يده على البلاد وإقامة دولته، فقد نص حزب الله صراحة في وثيقته السياسية على دستوره الذي ألغى العمل بالدستور اللبناني إلى حين، فتحت عنوان :" ثالثاً : الدولة والنظام السياسي"، قرر الحزب الآتي: "إن الشرط الأساس لتطبيق ديموقراطية حقيقية من هذا النوع هو إلغاء الطائفية السياسية من النظام، وهو ما نص "اتفاق الطائف" على وجوب تشكيل هيئة وطنية عليا لإنجازه. وإلى أن يتمكن اللبنانيون ومن خلال حوارهم الوطني من تحقيق هذا الإنجاز التاريخي والحساس – نعني إلغاء الطائفية السياسية – وطالما أن النظام السياسي يقوم على أسس طائفية فإن الديموقراطية التوافقية تبقى القاعدة الأساس للحكم في لبنان"…
هذا نص موثق يؤكد نيّة الحزب على تعطيل الفقرة ج من مقدمة الدستور اللبناني: "لبنان جمهورية ديموقراطية برلمانية" فقد تم على الفور إبطال نتائج انتخابات العام 2009، وها نحن نعاني تعطيل المادة 65 من الدستور المعدلة بموجب القانون الدستوري الرقم 18 تاريخ 21/9/1990، خصوصاً الفقرة 5 منها: "… يكون النصاب القانوني لانعقاده (مجلس الوزراء) أكثرية ثلثي أعضائه، ويتخذ قراراته توافقياً، فإذا تعذر ذلك فبالتصويت ويتخذ قراراته بأكثرية الحضور، أما المواضيع الأساسية فإنها تحتاج إلى موافقة ثلثي عدد أعضاء الحكومة المحدد في مرسوم تشكيلها…"، وقد نصّ الدستور صراحة على المواضيع التي تعتبر أساسية وهي شديدة الوضوح لا لبس فيها.
إن ما هو أفضل من محاولة السعي لعقد طاولة الحوار أو جلسة لمجلس الوزراء وهو بفعل ممارسات حزب الله أشبه بـ"إحياء العظام وهي رميم"، الأفضل أن يلتفت المعنيون إلى الدستور وأن يطالب اللبنانيون صاحب القسم والمؤتمن عليه وعلى حمايته وتطبيقه أن يأخذ قراراً حاسماً بتطبيق الدستور لا أكثر ولا أقل، فقد حان الوقت لدفن هذه "الطاولة" فهي أشبه بفيلم لبناني رديء حفظه اللبنانيون عن ظهر قلب منذ العام 1975!.