#adsense

في التسوية والتمويه..

حجم الخط

كأن الدنيا في جهة، وأهل الممانعة في ربوعنا في جهة ثانية. مثلما أن المنطق الصحيح في مقابل المنطق الأعوج، والتاريخ الوطني الحديث في مواجهة مدّعي كتابته وفق أذواقهم وأجنداتهم واختصاراتهم.
هكذا يستحيل اللبنانيون في مجملهم أسرى ابتزاز مفهوم وإن كان غير مقبول. بحيث أن الماكينة الممانعة لم تسترخِ ولا تريد أن تسترخي في بث الوعيد والتهديد مستخدمة كعادتها التمويه كأحد أبرز أسلحتها.. إما أن تتم "التسوية" قبل صدور القرار الاتهامي وإما أن الأرض ستزيح عن محورها.

في التمويه المذكور يُستخدم مصطلح "التسوية" بدلاً من الاستسلام أو الإذعان. والشكل هنا دون خطورة المضمون: إما أن يستسلم سعد الحريري ويُذعن للشروط الموضوعة، وإما أن نأخذ البلد بأهله ومؤسساته الى حيث نريد، أو نفترض أن بمقدورنا أن نأخذه إليه.. ووصل الأمر بأحد الظواهر الصوتية الى حد عدم ضبط نفسه عن توجيه تهديدات غير مباشرة ضد "حياة" رئيس حكومتنا.

لكن ما نعرفه ويعرفه العالم أجمع أن الرئيس سعد الحريري هو رئيس الحكومة اللبنانية فقط. أي أنه لا يرأس منظمة الأمم المتحدة الضامّة في عضويتها نحو مئتي دولة. ولا يمون على مجلس أمنها الى حد دفعه لتسجيل سابقة التراجع عن قرار اتخذه… ولو كان كذلك لكنا في أحسن حالاتنا وأكثرها إنتاجاً وثماراً وعطاءً، ولكانت العدالة في أنصع أثوابها وهي التي تعني في ما تعنيه إعطاء كل ذي حق حقه.. ونحن أهل العرب أكثر الطامحين الى ذلك واول المستفيدين منه!

ثم إن ما نعرفه وصار العالم كله يعرفه، هو أن سعد الحريري "لا يعرف" ماذا يعني الخضوع للإذعان أو الابتزاز أو التهديد. مفطور على ذلك. ولا يستطيع تغيير تلك الفطرة حتى لو داخلها شيء من العادات المكتسبة والموروثة عن والده الراحل الشهيد المغدور والمظلوم، أي حتى لو آثر في أحيان كثيرة التنازل في مقام خاص إذا كان ذلك يخدم المقام الوطني العام.

.. والفطرة المعلومة، تبقى أقوى من العادة المكتسبة، وبالتالي فإن تلك اللغة الآتية من أكياس الفحم ورزم الثوم والبصل وبرك الكلس تبقى غريبة عنه ونائية نأي جنوب الأرض وشمسها عن قطبها الشمالي وصحاري جليده الأبدي!

لا يريد الممانعون الأخذ بذلك، ولا الأخذ بمنطق الأمور، ولا القبول بـ"تسوية" فعلية تبقي الناس على يقينها وسلمها ووطنها ولا تظلم أحداً.. بل يفترضون من البداية أن شأنهم يمكن أن يسري زجراً وقسراً وقهراً، وأن الحكي التمويهي عن تسوية تغلّف الإذعان وتتوّج محاولات كسر المؤسسات الشرعية الوطنية والدولية، يمكن أن يَستبدل الوقائع والحقائق المرابطة في لبنان أبد الدهر، طالما أن لبنان مرابط عند ذلك الدهر ولا يفترقان.

قبل الآن، في زمن بدايات مسار التدمير والتفتيت والضنى والتعتير والشحار، ظنّت "الحركة الوطنية" أنها تستطيع أن "تحسم وتحكم" وأن تفرض برنامجها الإصلاحي الرائد وتدفع بالنظام اللبناني وأهله الى تخطي عوائقه وتعطيل قنابله الموقوتة.. كانت محقّة في طرحها لكنها ارتكبت الخطيئة القاتلة بافتراضها القدرة على فرض ذلك الطرح بالقوة في بلد مثل لبنان. والنتيجة معروفة.

كيف الحال الآن؟.. وأهل الممانعة يطرحون برنامجاً لا يبشّر إلا باعتماد النص الكوري الشمالي. ولا يعدون إلا بتعميم الزجر والقهر ومعاندة أدبيات الأرض والسماء سواء بسواء، ثم يريدون إقناعنا بأن كل ذلك يُسمى "تسوية"؟!
.. ويا حُصْرُماً رأيته في حلب!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل