افتتحت جامعة الروح القدس – الكسليك، بالتنسيق مع اللجنة البطريركية ليوبيل مار مارون، مؤتمراً بعنوان "مصادر التاريخ الماروني منذ البدايات وحتى اليوم"، بمناسبة الاحتفال بالذكرى المئوية السادسة عشرة لوفاة مار مارون (410-2010)، في قاعة المحاضرات. حضر الافتتاح النائب فؤاد السعد، الدكتور فرج كرباج ممثلاً وزير الشؤون الاجتماعية الدكتور سليم الصايغ، المطران مخائيل أبرص ممثلاً البطريرك غريغوريوس الثالث لحام، النائب العام للرهبانية اللبنانية المارونية الأب المدبر إميل عقيقي، رئيس الجامعة الأب هادي محفوظ، أمين سر لجنة اليوبيل المونسنيور منير خيرالله، إضافة إلى حشد من الآباء وأعضاء مجلس الجامعة وممثلي الجامعات والعمداء والمديرين والأساتذة والطلاب.
البوفسور نجيم
بداية، أشار البروفسور أنطوان نجيم في تقديمه للبرنامج إلى "أن هذا المؤتمر يندرج في سلسلة الاحتفالات والمبادرات التي تقوم بها الجامعات في هذه المناسبة"، معتبراً أنه "من الطبيعي أن يكون الرجوع إلى المصادر أساسياً بالنسبة إلينا، لا سيما في هذه الحقبة حيث تختلف الآراء بل تتعارض وتتناقض بفعل تضارب المصالح التي تحرّكها في ما يختص بالدور الذي يفترض بالكنيسة والجماعة القيام به في المعمعة الحاصلة والإنقسامات التي تهدّد بتمزيق الوطن والمنطقة". وأكد "أن من لا يعي ماضيه ومنطلقاته الأصليّة والصحيحة وعياً علمياً موضوعياً مجرّداً عن الأهواء والعصبيات قد يخطىء في توجيه حاضره ومستقبله توجيهاً صائباً منزّهاً متخطياً المصالح الفردية العابرة. إن الرجوع إلى مصادر التاريخ الماروني مهمّة واجبة صوناً للحقيقة ومنعاً للشطط وخدمة للأجيال الصاعدة لكي تقوّم المسيرة الحالية وتسدّد خطاها إلى المستقبل بوعي وإيمان وثقة".
الأب رزق
وألقى منظم المؤتمر نائب رئيس الجامعة وعميد كلية الآداب الأب كرم رزق كلمة عرض فيها لمآثر الموارنة في التاريخ وانجازاتهم الخالدة، من آثار عمرانية وإنتاجات أدبية، مذكراً بـ "المخطوطات التي تُعدُّ آلافاً، وهي لم تحصى كلّها بعد، وأرشيف يتوزّع بين ما كتبوه هم في دوائر مؤسساتهم، وبين ما كتبه الآخرون في دواوينهم عنهم وهو مشتّت في أربعة أقطار الدنيا، ينتظر جمعاً، وفهرسةً، ودرساً، وتمحيصاً، لاستخراج الحقائق، إضافة إلى مطبوعات تضاهي قيمتها قيمة المخطوطات، وتذّكر تلقائياً بفضل الموارنة في تأسيس أوّل مطبعة في هذا الشرق، الذي يتوق دوماً إلى المعرفة والنور".
وأكد الأب رزق "أن ما كتبه الموارنة بمداد إرادة العيش، وبعصارة اختبارات الحياة لا يحجره حجري، ولا برديّ، ولا رَقٌّ، ولا قرطاس. إنّه تفوَّق على كلَّ النوائب والمصائب، لذلك لن ييأس الموارنة ولن يُحبَطوا، مهما اشتدّت الشدائد. فإن العمل على قدر الهمم، والأجر على قدر المشقّة"، معتبراً "أن ما نسجوه بعبّارة الصبر والأناة والمحبة، قطبة قطبة، تحوّل وطناً يجمع كافة المدعوين إلى وليمة العرس. وهذه معجزة تقوم على الروح الميثاقية التي تحترم خصوصية كل فردٍ، وتقرّ بكيان كل جماعة. فلكل فرد، ولكل جماعة مكان، ومقام، واحترام، وكيان. هذا هو محور التحدّي، للموارنة أولاً، حتى يبقوا سباقين في الحقّ، خلاقين، مبدعين، خميرةً في العجين".
وأضاف:"منذ أن أطلّ الموارنة على التاريخ، أطلّوا بحلّة الحوار، وبلباس السلام، دون مراوغة ولا التباس… وهم يتفاعلون مع مختلف الجماعات في بوتقة الوطن، دون تفرقة ولا تمييز، وهذه تجربة فذّة عبّر عنها قداسة البابا يوحنا بولس الثاني خير تعبير، إذ اعتبر لبنان أكثر من وطن، بل رسالة. فالموارنة شعب ميثاقي، يؤمن بالشراكة، ويعيش متطلباتها منذ ما قبل الدستور الأول، مروراً بالميثاق الوطني، ووصولاً إلى الجمهورية الثانية. وهذا فيض من طيب أرومة المصادر. ما هو لهم، هو لهم ولغيرهم. هذا هو أساس الشأن العام، وأساس الديمقراطية والدولة. هذه الفلسفة أضفت الفرادة على الصيغة اللبنانية، وإليها نتطلّع الآن".
وتابع: "إن النظر في المصادر يهدف إلى إعادة اكتشاف الجذور المشتركة بين ثقافات عريقة، متآخية، وذات قربى، كما أنه يهدف إلى استثارة القرائح لاجتراح نظريات ومبادئ، لاستنباط حلول، لرفع تحديّات الساعة، تماماً كما فعل الأقدمون. واجب الأجيال علينا أن نترك لهم خميرة من طينة الأصول الجيّدة" ، مشدداً على أنه "لا يقوم بنيان إلاّ على أساسات متينة. والأساسات هي الأصول والتراث، فالعودة إلى الينابيع هي دعوة لكي تتدفّق حياة في سبيل تجديد دائم".
واختتم مؤكداً "لا نريد أن نُحمّل المصادر ما لا تحمله في الأصل حتى لا نتمجّد فيها زوراً وبطلاناً. ولا نريد أن يُحمّل الغير ما تبقّى لنا منها جوراً وعدواناً. نريدها ينابيع عذبة صافية نرتشف منها ماء الحياة إلى دهر الدهور. فعسى أن يقيلنا إليها البحث والتنقيب، فتشرق الحقيقة، ويستنير الغد".
الأب محفوظ
أما رئيس الجامعة الأب هادي محفوظ فرأى في عنوان المؤتمر "إعلاناً مبطّناً حميداً، ألا وهو إرادة تحديد المصادر الموثوقة وتبيان ما هو أقل صدقاً"، معتبراً أن "هذا ما يحملنا إلى فكرة كتابة التاريخ وإلى بعض الأبنية الشاهقة في هذا العلم التي ترتكز على أساس هشّ سببه مصدر غير موثوق به بنى عليه المؤرخ نظريته". ولفت إلى أنه "في هذا الإطار بالذات، نستطيع التفكير في الكمّ الهائل من الإيديولوجيات التي تقوّت وتصلّبت بسبب مصادر تاريخية خاطئة أو مجتزأة أو حتى مفبركة. فالتفتيش عن المصادر التاريخية يشلبن النظريّات ويسمح للعالم الحقيقي والنزيه أن يدخل بجلالة ورويّة إلى التاريخ يكتبه بنزاهة وصدق".
واعتبر أنه "انطلاقاً من هذه المعطيات، يولّد هذا المؤتمر الغبطة فينا، إذ نرى جامعتنا تهتم مرة جديدة في ما هو ماروني، وتظهر تحرّراً من أية عقدة في تظهير الهوية المارونيّة، من خلال بحث حول مصادر التاريخ الماروني، لينأى هذا الأخير عمّا يكون إيديولوجياً ومتحجّراً".
كما أكد "أن لا تاريخ كامل وصادق مثل تاريخ الله، أي مثل أزليته. هو الأزلي الذي يندرج تاريخ البشر في تاريخه السرمديّ. هو سيّد التاريخ الذي يعلو في محبته وحكمته مسار التاريخ ومجرى الأمور. إنه الضمانة لكي لا يقع الإنسان في الخوف من أن تتآكله ذكريات الماضي أو من أن تفتك به أهوال الحاضر أو من أن يؤثر عليه جهل ما يحمله مستقبله"، مشيراً إلى أنه "عندما يضع الإنسان تاريخه في حيثيّة أزلية الله، يعي أن تاريخه وتاريخ مجتمعه وشعبه وتاريخ الكون إنما هو نقطة في بحر أزلية الله. حينها يدأب الإنسان في زرع الصدق والخير والمحبة أينما حلّ، عالم انّه بذلك ينتصر مع الله، غير عابئ بمقولة "التاريخ يحكم" لأنّ التاريخ قد يزيفه كاتبه. فالفطن يعي أن التاريخ لا يحكم، بل في كتابة التاريخ بصمات الإنسان الناقص الذي قد يزيّف التاريخ أو لا يكتبه بشكل كامل أو لا يفقه مكنوناته. الفطن يعي أن المهم هو حكم سيد التاريخ. فهو الأمين وهو الصادق".
وختم الأب محفوظ متمنياً "في الحديث عن مصادر التاريخ الماروني، أن نضع علمنا في خدمة الحقيقة والخير والمحبة وفي شلبنة النظريات وفي الانطلاق نحو غد مشرق، ينيره شعاع آت من لدن العلي، من عند الله، سيد التاريخ".
الجلسات
ثم انعقدت الجلسة الأولى حول المصادر المارونية غير المكتوبة، حاضر فيها شاكر غضبان عن إثر الموارنة على مجرى العاصي، وغاص الأب عبدو بدوي في مصادر الإيقونوغرافيا المارونية، فيما تناول كل من بول زغيب وهارلد سورمن الآثار المارونية في القرون الوسطى، ليتحدث بعدها أنطوان فشفش وظافر سليمان عن الآثار المارونية في القرون الحديثة.
وتمحورت الجلسة الثانية حول المصادر المارونية المكتوبة، وناقش كل من سبستيان بروك والأب كرم رزق موضوع مصادر الحياة الرهبانية، وتحدث الأب الياس حنا عن مصادر الحياة الروحية لدى مؤسسي الرهبانية، وتتطرق الأباتي يوحنا تابت إلى أقدم مصادر الليتورجيا المارونية: البيت غازو، وركّز كل من الأب هاني مطر على مار مارون في الليتورجيا المارونية، والدكتورة مريم كوبه والدكتور الياس قطار على مصادر التاريخ الماروني القديم والوسيط، فيما تحدثت الدكتورة ميراي عيسى عن رسائل البابا إقليمس من خلال مجموعة العنيسي.
هذا ويستمر المؤتمر ليوم غد، حيث ستنعقد جلسة حول المصادر المارونية المكتوبة، يتطرق فيها المحاضرون إلى المواضيع التالية: مصادر المدرسة المارونية، المصادر المارونية في أرشيف إسبانيا والبرتغال والإمبراطورية النمساوية الهنغارية، المصادر المارونية في أرشيف الفاتيكان، المصادر المارونية في الأرشيف الدبلوماسي الأوروبي، الموارنة في أدب الرحالة، مصادر الفكر الماروني السياسي الحديث والمعاصر، إسهام بعض الكتاب الموارنة في الأدب الفرنكوفوني، ومصادر الموسيقى المارونية.