#adsense

“المادة الإثباتية” توجّه مفاعيل القرار الاتهامي

حجم الخط

ثقة 8 و14 آذار ليست تلقائية وعمياء.. والقراءة حق وطني
"المادة الإثباتية" توجّه مفاعيل القرار الاتهامي

 
ليس بمستطاع أحد في لبنان التكهّن حتى الساعة، بالشكل الكافي والوافي، في شأن حجم ونوعيّة ووضوح وتنوّع الأدلّة والمعطيات الملموسة، البشرية والتقنية، التي سيرتكز إليها القرار الإتهاميّ لإجلاء حقيقة من قرّر وخطّط ونفّذ جريمة إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وشهداء ثورة الأرز الآخرين. مع ذلك يمكن المجازفة منذ الآن بأنّ ما سيقدّمه المحقّق الدوليّ هو "مادّة إثباتية" لم تكن على خاطر وبال الروايات الصحافية والتلفزيونية التي بُثّت في السنتين الأخيرتين في الداخل والخارج.

طبعاً كل شيء يتوقّف على طبيعة هذه "المادّة الإثباتية" المنتظرة كما على التمكّن من فحصها لبنانياً بدقّة وإتزان ورويّة. والحال أنّه، لو تمكّنا، ولو للحظة، من تنحية حملات التخوين والتهديد والوعيد جانباً، لوجدنا أنّ مسار الأمور لن يحدّده في نهاية المطاف لا ميزان العنف الداخليّ ولا ميزان "التدبّر" الإقليميّ بقدر ما ستتحدّدها نوعيّة المادّة الإثباتية، ووقع هذه المادّة الإثباتية على اللبنانيين.

فليس دقيقاً أنّ موقف اللبنانيين من المحكمة الدولية والقرار الظنيّ يختصر في ثنائية بين من لا ثقة لديه بالمجتمع الدوليّ وبين من يضع كل ثقته في المجتمع الدوليّ.

الأمر أكثر تعقيداً من ذلك: قسم كبير من الذين يوالون "قوى 8 آذار" بالجملة أو بالمفرّق يدرك تماماً أنّ القرار الظنيّ ليس مجرّد إنشاء تلفيقيّ تدليسيّ، بل أنّ كثيراً من هؤلاء ينتظرون فعلاً قراءة القرار الظنيّ لمعرفة أشياء كثيرة، هذا بصرف النظر عن كل التهويل والعويل، وعن إحتياطيّ الحقد والدناءة الذي يصبّ على البلد منذ أشهر بشكل بدأ محموماً وأضحى هذياناً كاملاً.

وفي المقابل، فمن قال إنّ ثقة جمهور وقيادات "ثورة الأرز" بالتحقيق الدوليّ وبالقرار الظنيّ غير مرتبطة بنوعيّة الأدلة والمعطيات التي سيجري الإستناد إليها والتي سيتمّ تقديمها؟
إن مشهداً آخر سيبرز إذا ما نحينا الإرهاب التخوينيّ جانباً، وأعدنا فهم الدور الذي يبقى محورياً للإجتماع اللبناني، وهو دور لا يجوز تغييبه مهما كانت أهمية المسار القضائيّ الدوليّ من ناحية، والمساعي السياسية الإقليمية والدوليّة من ناحية أخرى.
هذا المشهد هو أنّ ثقة جمهور "8 آذار" بكل ما تبثه فيه قياداته وإعلامه سيعاد النظر فيه حتماً مع صدور القرار الظنيّ تصديقاً أو تكذيباً أو تأثّراً بأشكال مختلفة بعضها مباشر، وبعضها غير مباشر لكن أشد أهمية، حتى في المدى المنظور. كذلك فإنّ ثقّة جمهور "14 آذار" بالمحكمة الدولية والقرار الإتهاميّ لن تكون تلقائية، وإنّما ستمرّ بالضرورة، بقراءة متأنية لهذا القرار.

وبشكل مختصر، عندما سيطلع علينا القرار بالسرد المنتظر لتسلسل الوقائع التي شكّلت عملية الإغتيال المركزية، إغتيال الرئيس الشهيد، ثم شكّلت الترابط بين الإغتيالات، فإنّ الأمور ستكون خرجت "عن السيطرة" بالمعنى الإيجابي. فأي تحرّك "ميدانيّ" على الأرض في ظلّ أدلة دامغة و"مادة إثباتية" مُحرجة، لن يكون إلا الشكل "التاريخيّ" الذي يأخذ مسار العدالة لكي يسلّم الجاني نفسه. وفي المقابل، فإذا كانت "المادة الإثباتية" لم تتوفّر فعلاً حتى الآن بالشكل المطلوب، فالمسألة لن تتوقّف فقط على ردّة فعل سلبية من "قوى 14 آذار" قبل سواها تجاه هذا القرار، إنّما من الممكن الجزم أنّ أي قرار إتهاميّ بلا "مادة إثباتية" لن يبصر النور. وحده القرار الإتهامي الفاقد لـ"المادة الإثباتية" هو الذي يمكن التسوية عليه قبل صدوره، لتعطيل صدوره، وما أن يتضمّن القرار الإتهاميّ الحدّ الأدنى المطلوب من "المادة الإثباتية" حتى تصير كل التسويات متعلّقة بترتيبات وحسابات مرحلة ما بعد الصدور.

الحاجة إذاً لأخذ قسط من الراحة، وتقنين الإستماع إلى مسلسل التخوين والإسفاف، لأنّ "المادّة الإثباتية" في القرار الظنيّ هي في النهاية تقرّر كل شيء، ولأنّ كل تسوية خارج الإطار الذي سترسمه مفاعيل هذه "المادة الإثباتية" سوف تكون تسوية "خارجة عن الموضوع".

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل