… الهزات السياسية التي تسبب بها موقع ويكيليكس الالكتروني، والتي دفعت واشنطن الى مراجعة إجراءاتها، والعمل لطمأنة قادة العالم المنزعجين، لا شك في انها ستؤدي الى تداعيات كبرى ستنسحب سلباً على السياسة الخارجية الاميركية بصورة أو بأخرى، خصوصاً أن موقع ويكيليكس واصل تسريب البرقيات والتقارير الاميركية، والتي تسلط الضوء على خفايا الديبلوماسية الاميركية.
ولكن مع ذلك، فإن ما فضحه الموقع وكشفه تقارير مهمة يأتي نتيجة حالات ثلاث:
أولاً: إن المؤسسة السياسية الاميركية دفعت ضريبة الحرية، لأنه لولا هذه الحرية، والتي يكفلها الدستور الاميركي، لما تجرأ "ويكيليكس" على فضح أسرار السياسة الخارجية الاميركية.
ثانياً: إن المؤسسة السياسية الرسمية في اميركا دفعت ضريبة الديموقراطية، والتي لولا رسوخها في اميركا لما كان بمقدور "ويكيليكس" ولا غيره نشر ما يعتبر محظوراً وسرياً.
ثالثاً: المؤسسة السياسية الاميركية دفعت أيضاً ضريبة التطوّر التكنولوجي، إذ أن "ويكيليكس" استطاع من خلال الكومبيوتر الدخول الى وزارة الخارجية الاميركية، وفك الرموز السرية، والكشف عن وثائق يعتبرها البعض غاية في الخطورة، ما دفع وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون الى المسارعة لاسترضاء زعماء العالم، وحتى انها في قمة منظمة الامن والتعاون حاولت ما تم توصيفه بـ"تضميد الجروح"، وطمأنة الزعماء بعد كشف "ويكيليكس" برقيات ديبلوماسية اميركية أساءت إليهم، وقالت بوضوح تام "إننا نأسف لما حصل"، وشرحت لمحاوريها أن البرقيات المسرّبة مصدرها مسؤولون صغار، ولا تمثل بالضرورة وجهة نظر الولايات المتحدة الاميركية.
وبالطبع، فإن التقارير التي كشف عنها "ويكيليكس" طاولت العرب أيضاً، ولكن الواضح تماماً أنها لم تكن تقارير دقيقة، بل مجرّد رؤى لسفراء قاموا بتحليلات وأرسلوها الى الخارجية الاميركية، وهي – أي التحليلات – لم تكن مقنعة ولا منطقية.
…. وكذلك لم يكن لبنان بمنأى عن هذا الامر، إذ أظهرت بعض البرقيات المرسلة من السفارة الاميركية رؤى وصفها بعض السياسيين اللبنانيين بالتخيلات، ولا يجب أن يعول عليها أحد، إلا أن البعض من المصطادين في المياه العكرة حاول استغلالها لمهاجمة بعض أركان السياسة اللبنانية، على الرغم من أن الاتهامات باطلة.
… في الاساس، يكفينا في لبنان مشاكل وتوترات، ومن المفترض أن يمتلك اللبنانيون الوعي الكافي لكي يدركوا أن ما نشره موقع ويكيليكس ملتبس اساساً، ولن يتأخر الوقت حتى يتم الكشف عن غايات وأهداف هذه التسريبات، وهذا ينطبق على العالم العربي برمته، والذي من المفترض ألا تعنيه هذه التقارير، وجلها عبارة عن برقيات مرسلة من سفراء وقناصل الى الخارجية الاميركية كما أشرنا.
… وفي مطلق الاحوال، فإن هذه التقارير لم توفر مسؤولاً أو رئيساً في العالم كله، وتطرقت الى أحداث حدثت وأخرى متوقع لها ان تحدث، ولكن مع ذلك، فإنها ضريبة الحرية، وهذه لها سلبيات كبرى كذلك لها ايجابيات ايضاً.