#adsense

التشابه والاختلاف ما بين زيارتي نجاد وأردوغان إلى لبنان

حجم الخط

في ظل سعي الحريري لتعزيز العلاقة الرسمية مع تركيا وإيران:
التشابه والاختلاف ما بين زيارتي نجاد وأردوغان إلى لبنان

يوماً بعد يوم؛ يتزايد النفوذان الإيراني والتركي في لبنان· كل من إيران وتركيا حجز لنفسه موقعاً إلى جانب النفوذين الكبيرين لسوريا والمملكة العربية السعودية، في ظل غياب للموقف العربي الجامع من قضايا المنطقة، وبؤر التوتر فيه، ومن بينها لبنان.

الحكومة اللبنانية التي شهدت على طفرات كبيرة لنفوذ إيران في لبنان، تبدو اليوم وكأنها مرحبة بنفوذ تركيا ودورها الجديد في الشرق الأوسط، من باب التوازن النسبي من جهة، ولأنها مع تمتين العلاقات أصلاً بجميع الدول الإقليمية الفاعلة من جهة أخرى·

وتندرج في هذا الإطار الزيارة الهامة التي قام بها الرئيس سعد الحريري إلى تركيا في 10/1/2010، وأثمرت تعزيزاً للعلاقات، وصل إلى حد إلغاء تأشيرة الدخول بين البلدين، وتعزيز التبادل التجاري، ودخول تركيا إلى قلب الأزمة اللبنانية·

كما يندرج في الإطار نفسه؛ زيارة الرئيس الحريري إلى إيران في 27/11/2010، والتي حاول الرئيس الحريري من خلالها تعزيز علاقة إيران بالدولة اللبنانية ومؤسساتها الرسمية (دون أن يعني ذلك قدرته على تغيير طبيعة العلاقة التي تربط إيران بـ <حزب الله>)، وقد نجح نسبياً في نقل وجهة نظر مختلفة عن وجهة نظر <حزب الله> من القضايا الخلافية في لبنان، وقرّب من المسافات الشخصية بينه وبين القيادة في إيران، الأمر إلى وصفه الحريري نفسه بـ <إعادة التأسيس لمرحلة طيبة في العلاقات اللبنانية ? الإيرانية>، ولم يكن الجانب الإيراني أقل إيجابية حيث أشاد النائب الأول للرئيس الإيراني محمد رضا رحيمي بـ <حكمة وحنكة الرئيس الحريري لحل كل الإشكالات الموجودة>، مؤكداً أن <زيارة الرئيس الحريري ستعزز العلاقات الثنائية على كافة المستويات>·

وإذا كان كل من النفوذين الإيراني والتركي حقيقة موجودة في لبنان، فهل ثمة تشابه واختلاف بينهما· لعل أسهل مقارنة يمكن إجراؤها بين الدورين الإيراني والتركي، تنطلق من النظر في نقاط التشابه والاختلاف بين زيارتي الرئيسين أحمدي نجاد ورجب طيب أردوغان السابقتين إلى لبنان:

تشابهت الزيارتان في اللقاءات الرسمية، وتوقيع اتفاقات التعاون الثنائية، وفي تنظيم احتفالات شعبية حضرها الألوف من اللبنانيين، لكن في ظل الانقسام المعروف في لبنان، فقد تولى <حزب الله> تنظيم احتفالات أحمدي نجاد في مناطقه (الضاحية الجنوبية لبيروت وبنت جبيل في الجنوب) في حين تولى <تيار المستقبل> تنظيم الاحتفالات الشعبية لأردوغان في مناطقه (عكار وصيدا)· وهكذا شاهد نجاد بعينيه الجماهير التي <ستكون طليعة التغيير في المنطقة>، كما أعلن هو نفسه، في حين شاهد أردوغان لوناً آخر من الجماهير، حتى أنه قال للحريري: <لقد رأيت بعينيّ حب الناس لك>!·

حملت زيارة كل من نجاد وأردوغان إلى لبنان مواقف إقليمية هامة، فقد جمعهما انتقاد <إسرائيل> والتحذير من عدوانيتها، والتبشير بـ>شرق أوسط جديد>، لكن في حين أشبع نجاد مواقفه تلك بالأفكار الدينية المرتبطة بظهور الإمام المهدي، آخر الزمان، فقد وضع أردوغان مواقفه في إطار الوقوف مع المظلوم في مواجهة الظالم· وفي حين توعد نجاد <إسرائيل> بـ>إزالتها من الوجود>، فقد قال أردوغان: <يجب أن تدرك حكومة إسرائيل تماماً أنه عندما يستتب الأمن والسلام في المنطقة، فإنها ستربح هي الأخرى من هذا السلام، وإذا نشبت الحرب، فلن يكون الخاسر أهل هذه المنطقة وحدهم، بل سيخسر مواطنو إسرائيل أيضاً>· وهكذا وضع نجاد مواقفه في مواجهة <إسرائيل>، لكن في خانة الحرب، في حين وضع أردوغان كلمته في مواجهة <إسرائيل>، لكن في خانة السلام·

أثارت زيارة كل من نجاد و أدوغان حساسية لدى بعض اللبنانيين؛ فقد حاول فريق من السنّة، لا سيما في الشمال، التظاهر ضد <التدخل الإيراني في الشؤون اللبنانية ودعم فريق من اللبنانيين تجاه آخر>، لكن هذه المحاولات أجهضت في مهدها، من قبل <تيار المستقبل> بالذات· وبالمقابل فقد تظاهرت الأحزاب الأرمنية في لبنان، من يؤيد منها الحريري ومن يؤيد <حزب الله>، على خلفية الصراع التركي-الأرمني، و>عدم اعتذار تركيا عن مجازرها بحق الأرمن>، أواخر أيام الدولة العثمانية، لكن محاولة التظاهر ضد نجاد، والتظاهر ضد أردوغان، بقيا حالتان معزولتين في خضم الترحيب العام·

حظيت كل من زيارة نجاد وأردوغان، بدراسة تحليلية مكثفة، ومواقف سياسية محلية عديدة؛ ففي حين قسّم فريق الرابع عشر من آذار زيارة نجاد إلى قسمين؛ قسم رسمي أطلق فيه نجاد <مواقف مقبولة>، وقسم شعبي خاص بـ>جماعته>، وفيه أطلق مواقف خاصة ومغايرة، فقد انتقى فريق الثامن من آذار من مواقف أردوغان تشديده على انتقاد <إسرائيل> ودعمه الثابت لمقاومة ظلمها، متغاضياً عن مواقفه المتعلقة بتأييد المحكمة الدولية (وهو موقف تركيا في مجلس الأمن أيضاً في فترة عضويتها المؤقتة فيه)، كما تعامل وفق هواه السياسي مع مطالبة أردوغان اللبنانيين بـ>التفاهم بشأن الخلافات حول المحكمة الدولية>·

ثمة نقطة لا تشابه فيها بين الزيارتين، على أي وجه من الوجوه، وهي أن زيارة نجاد إلى لبنان، وإلقائه خطاباً نارياً قرب الحدود، وإعطائه انطباعاً أن حدود إيران باتت على تماس مع فلسطين المحتلة··· استدعى ذلك كله تحركاً أميركياً وأوروبياً عاجلاً، وإعادة إنعاش للملف اللبناني، بعد تجميد، حيث وصل -على عجل- مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط جيفري فيلتمان إلى لبنان، وشهد البيت الأبيض مواقف متلاحقة، خاصة بلبنان وبالمحكمة الدولية· وإذا كانت زيارة أردوغان إلى لبنان لم تُحدث مثل هذه النقزة الأميركية أو الأوروبية، إلا أن ذلك لا يعني أنها كانت أقل أهمية من زيارة نجاد، التي سبقتها بنحو شهر وعشرة أيام·

من الواضح اليوم أن كلاً من إيران وتركيا تتوسل القضية الفلسطينية معبراً لها إلى المنطقة العربية، رغم الخلاف بين الطرحين والأسلوبين، ما يعني أن كلاً من إيران وتركيا تعمل للتقرب من الشعوب العربية، مستغلة الشرخ بين الشعوب وحكامها في غير بلد عربي من جهة، و>تكلس> وعجز النظام العربي الرسمي برمته من جهة أخرى· كما أن الدولتين أكدتا، على خلاف في الأسلوب بينهما، على دعم لبنان في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية، وأي عدوان محتمل عليه·

وإضافة إلى هذا التشابه الظاهر، فإن المنطقة تشهد تنافساً غير ظاهر بين هاتين القوتين الإقليميتين الناشطتين، ففي حين تتقدم إيران في الأوساط الشيعية العربية، بات السنة العرب (وفي لبنان من باب أولى) ينظرون إلى تركيا كسياسة أكثر فعالية وعقلانية من السياسة الإيرانية تجاه <إسرائيل>، فضلاً عن الدور التركي الناشط في الإسهام بحل النزاعات الإقليمية، وإطلاق المبادرات الهادفة إلى حل ما أمكن من مشكلات الإقليم (بين سوريا و>إسرائيل> مثلاً)، وهو الدور الذي لا يمكن لإيران أن تضطلع به، بل إن إيران نفسها احتاجت إلى مساعدة تركيا في صراعها مع الغرب حول الملف النووي·

اللافت في هذا التقاطع بين النفوذين التركي والإيراني أن ثمة من أخذ يتحدث باكراً في لبنان عن حلف يضم إيران وسوريا ولبنان وتركيا، في مواجهة <إسرائيل>، مستعملاً هذه <التوليفة> في مواجهة محور خصومه السياسيين، في حين أن زيارة أردوغان إلى لبنان، سواء بملابساتها وفعالياتها، والمواقف التي أُطلقت فيها، أكدت بوضوح، أن هذا المحور ليس له أساس في الواقع، إذ لا يمكن لبلد كتركيا أن يكون في محور تقوده إيران، ليس لأن الأتراك ينظرون إلى حجمهم كدولة إقليمية، ذات نفوذ دولي، أكثر من أي بلد آخر في الإقليم فحسب، بل لأن تركيبة النظام التركي لا يمكن أن تقبل الانخراط في حلف تقوده إيران الإسلامية·

وهكذا، فإن أردوغان لم يُخفِ خلال زيارته لبنان خصامه الكبير مع الحكومة في تل أبيب، إلا أنه قال -على نحو غير مباشر- إنه لا يوافق على طروحات إيران من <إسرائيل> والغرب، بل هو أكّد على مزج الهوية الإسلامية في أوروبا، وعلى سعيه لضم تركيا إلى الاتحاد الأوروبي· كما أنه ما زال على تحالفه الراسخ مع الولايات المتحدة الأميركية، رغم مواقفه المعترضة على سياساتها في أكثر من ملف في العالم (تركيا جزء من حلف الناتو)، كما أن تركيا لم تعلن مرة أنها مع إزالة <إسرائيل> من الوجود، ولم تُقدم على قطع علاقاتها بهذا الكيان، رغم تجميدها··· بمعنى أن تركيا تعمل وفق المعادلات السياسية القائمة إقليمياً ودولياً، لا وفق رؤى ناجمة عن معتقدات دينية، فالعقائد شيء والسياسة شيء آخر·

المصدر:
اللواء

خبر عاجل