خاضت القوى الاستقلالية في المرحلة السابقة معركة سياسية كبيرة لكي تمنع قوى 8 آذار بكل فئاتها من فرض مواضيع اخرى على طاولة الحوار الوطني غير موضوع سلاح "حزب الله" الذي يمثل قلب المعضلة الوطنية اللبنانية. ولقد كان غريبا ان يقوم بعض اركان الحوار من الفريق الاستقلالي خلال المشاورات التي اجراها الرئيس ميشال سليمان بإقتراح احالة موضوع ما يسمى شهود الزور على طاولة الحوار الوطني لدرسه. ان الحوار الوطني يجب أن يحافظ على موضوعه المركزي لا ان يتم تمييعه وحرفه عن هدفه الاساسي المتمثل في حل قضية السلاح من خارج الشرعية.
بطبيعة الحال رفضت قوى 8 آذار المقترح، لأنها رأت فيه فكاً لأسر مجلس الوزراء المعطل بذريعة عدم تلبية مطلب طرح قضية ما يسمى شهود الزور والتصويت على احالتها على المجلس العدلي! وبطبيعة الحال كان الاستقلاليون يناورون ويسايرون مسعى رئيس الجمهورية. ولكن في المبدأ جرى "خدش" وظيفة طاولة الحوار الوطني بالقبول، وان جدلا، بأن تنظر في "لا قضية" اسمها "شهود الزور" بما يحرفها عن مسارها الذي ينبغي ألا يخرج عن اطاره الاهم، عنينا قضية سلاح "حزب الله".
إذا كانت المناورة جيدة في السياسة فإن التذاكي سيئ ويرتد على أصحابه. من هنا ضرورة التنبه الى ان وظيفة طاولة الحوار لا تحتمل تحويراً ولا مواضيع بسخف موضوع "شهود الزور" الذي كان نتاج "البروباغاندا". فمن هم شهود الزور؟ وما هو مضمون الملف؟ وهل يكفي أن يصدر القضاء السوري العظيم استنابات أعقبتها مذكرات جلب في شكوى ضابط لبناني سابق حتى تصير القضية الوهمية حقيقية؟ طبعا لا.
لقد انقطع الحوار الوطني حول سلاح "حزب الله" بعدما انعقدت الهيئة في المرة الاخيرة بشكل هزيل، فبدا أن الحوار الوطني معلق مع تفاقم الحرب على المحكمة الخاصة بلبنان، ومع اعتبار الطرف المعني ومن يصطف خلفه أن الموضوع لا يتعلق بالسلاح بمقدار ما يتعلق بطريقة صوغ استراتيجية دفاعية نظرية لا تمس بالسلاح. ان رئيس الجمهورية مطالب بالعمل بجدية على اعادة اطلاق طاولة الحوار الوطني بمعزل عن القضايا الاخرى في البلد.
ولكن يوما بعد يوم تتعطل كل المؤسسات والهيئات الوطنية في البلد. فالحكومة لا تنعقد اقله لتسيير امور الناس، وهيئة الحوار الوطني صارت اليوم اكثر اهمية من اي وقت مضى مع تكاثر سيناريوات الانقلابات المسلحة، بحيث عاد موضوع السلاح ليحتل صدارة مخاوف الناس، ولتثبت الاحداث ان من طالبوا ويطالبون بإنهاء ظاهرة السلاح الميليشيوي، كل السلاح واوله سلاح "حزب الله" بالتحديد، انما كانوا يعبرون عن هواجس ملايين اللبناييين في الداخل والانتشار.
نعم، نقولها بأعلى صوت إن الرقص مع السلاح الميليشيوي ايا تكن تسميته هو رقص مع الموت والخراب. ففرح الذين يشبعون البلاد اليوم بخطب رنانة من قبيل ما كانت ستينات القرن الماضي تحفل به، يشبهون بفرحهم من يعيشون على وهم القوة ولا يملكون من القوة سوى الوهم!
