لعلّها من سخرية الأقدار اللبنانية ان تتمكن السلطة القضائية من جمع أركان الدولة والمؤسسات المشلعة والمتناحرة والمعطلة والمشلولة في اجتماع بروتوكولي رمزي اليوم لمناسبة افتتاح السنة القضائية في حين يهرول لبنان نحو واحدة من اكبر ازماته واخطرها على قاعدة الصراع على العدالة. بل هي السخرية بعينها ان يغدو محتوى الصراع مختصرا بـ"القرار الظني" في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، في حين تتكشف فصول الازمة المتناسلة عن اكثر من "قرار ظني" تلعب ادوارا هائلة في اذكاء التوترات والانفعالات الداخلية على مختلف وجوهها الطائفية والمذهبية والسياسية والاجتماعية.
ويكفي في الشكل المبسط والمباشر اليوم تحديدا اختصار مشهد "الدولة" في افتتاح السنة القضائية، وفي خلفية الاحتفال والمحتفلين القرار الظني "الأم" للمحكمة الدولية، والصراع الناشئ منه على ملف "شهود الزور"، ومن ثم الصراع المتناسل من الاصل والفرع معا على دور شعبة المعلومات في قوى الامن الداخلي وتحديدا في قضية العميد المتقاعد الموقوف فايز كرم. ويكفي في المقابل ان "نفترض" ان القاعدة البديهية والطبيعية لمنع "عملقة" الصراعات ونفخها وصولا الى متاهة تفجيرها هو ترك الخبز للخباز، اي للسلطة القضائية واقواس المحاكم وحدها.
ولكن، ما دامت المناسبة تملي تسليط الضوء على صاحبها، وهو القضاء، لا بد من السؤال المعروف الجواب عليه سلفا: لماذا لم يبدأ اصلاح هذه "الدولة" اصلا بقاعدتها الاساسية وركنها الحقيقي وملح العدالة فيها؟
لقد وجد لبنان نفسه مساء 12 كانون الاول 2005، يوم اغتيال الشهيد جبران تويني (ونحن الآن في مطالع اسبوع الذكرى الخامسة لاستشهاده) بلا حول ولا طول وبلا قدرة قضائية كافية في اقل حدود على "اللحاق" بحرب الاغتيالات وتطويقها ولجمها، فاضطر بقوة قاهرة الى الاستعانة بالقضاء الدولي وسط انشقاق سياسي عريض خطير. وهي مناسبة الآن لتذكير من غشيت ذاكرتهم النسيان، وهم كثر، ان المحكمة الدولية معنية بقضية اغتيال الرئيس الحريري وكل جرائم الاغتيالات المتلازمة "ذات الصلة" وان طلب انشاء المحكمة تقرر في مساء ذلك اليوم المشؤوم، يوم اغتيال جبران تويني. لكن زمن الدولة لم يتوقف عند الاغتيالات، وشكلت حكومات متعاقبة كان آخرها الحكومة الحالية، وفي بيانها الوزاري، لمن لا يزال يودّ قراءة الوقائع بعقل بارد، ما يكفي من "النيات" و"الوعود" و"الالتزامات" بالمضي في استكمال عملية اعادة بناء القضاء وتقويته واصلاحه وتوفير مستلزمات استقلاله بالكامل.
عُطّلت هذه الحكومة مجددا وعطل معها كل ما تدفقت به على الناس في بيانها الوزاري، بعد اقل من بلوغها نصف عمرها حتى الآن. يكاد لا يمر اسبوع الا وتشهد سجون لبنان عصيانات متناسلة للسجناء القابعين في احوال انسانية مزرية. وهم بالألوف، لان المحاكم تسير في المحاكمات سير السلاحف. يحتاج لبنان الى مئات ومئات من القضاة الاضافيين، والى عملية تحديث غير مسبوقة في الاجراءات القضائية ومثلها في السجون لئلا تتحول هذه الازمة يوما فتيل كارثة محققة. وفي المقابل يحتاج لبنان الى مفهوم غير قبلي وغير عشائري وغير مصلحي وغير طائفي ومذهبي للعدالة. ويحتاج اولا واخيرا الى رجال سياسة مقتدرين على ان يكونوا رجال دولة لا ابطال حروب.
لا يمكن اللبنانيين ان يفنوا اعمارهم في انتظار احكام لا تأتي وحروب يصنعها الانتظار. ولا يمكن قضاء ان يقيم استقرارا وعدالة وهو في ادنى احواله قدرة على تسيير القضايا والملفات. ولا يمكن عدالة ان تقوم تحت "سلبطة" القوة والترهيب والسياسة والاستتباع والاستزلام.
واخيرا وليس آخرا. ان الصراع على جهاز امني وضابطة عدلية بمثل هذه العصبية الشوفينية والطائفية والمذهبية والشخصانية هو اخطر الدلائل على الانهيار المتجدد الجارف للاصول. ولن يجدي في طمس كل ذلك "اجتماع" صورة الدولة اليوم في "قصر العدل".