الكتابة هذا الاثنين "استثناء" فلبنان الخارج صباح اليوم من 120 حريقاً حاصرت نيرانها مناطقه وبيوت المواطنين، والتهمت نيرانها ما تبقى من أحراجنا البائسة، يستحق هذا الصباح الكئيب بفعل الحرائق وما خلفته من رماد وسواد، والضعف المهين في إمكانيات لبنان لمواجهة الحرائق أو أي كارثة طبيعية، يستحق هذا الصباح أن نوجه تحية لفخامة رئيس البلاد الذي سارع لتفقد عمليات الإطفاء الصعبة، وإلى وزير الداخلية زياد بارود الذي أمضى نهاره أمس متنقلاً على الجبهات النيرانية في يوم عز فيه رؤية مسؤولين حقيقيين يقيمون شأناً للبنان ولبشره قبل شجره فيعقدون اجتماعاً عاجلاً، وما يدعو للعجب في هذه الصبيحة: كيف نثق بأنه قادر على إطفاء نيران فتنة نُهدد بها على مدار النهار والليل، من لا يكترث لإطفاء لنيران الأحراج؟! وتحية ثالثة لرجال الدفاع المدني والإطفاء الذين استبسلوا في مواجهة النيران بإمكانيات بدائية وسقط منهم مصابين كثر بفعل النيران العاتية.
الكتابة هذا الاثنين "استثناء" فرضه كضرورة هامش يوم السبت الماضي، فقد فَهِمَ منه البعض انخراطاً منا في حال الاصطفاف الطائفي والسياسي والمذهبي التي تنتاب البلاد، وهذا أمر يُجافي التزامنا ومواقفنا السياسية المرتكزة إلى مبدأ واحد يضع لبنان قبل وفوق كل الاعتبارات الضيقة والفرعية..
وقد حتمَ هامش اليوم ما قرأته من تعليقات لقرّاء كثر، انقسموا فيها طرفين واحد وجد في الكلام "هجوم حاد" على وزير الداخلية زياد بارود، وفريق ثانٍ زاد على "عتبنا القاسي" قسوة فاجأتني، وحرصاً على وضع الأمور في حدودها وحجمها ومسارها، لا بد من توضيح يزيح ما التبس على القارئ، لم يكن ما كتبناه هجوماً على الوزير زياد بارود ولا مساجلة "مذهبية" في تسجيل موقف لمصلحة اللواء أشرف ريفي، فبارود تعرض منذ تسلم وزارة الداخلية لحملات "تطويعية" كثيرة في السياسة لم تخرجه عن قناعاته والتزاماته ولم تستدرجه إلى أفخاخ السياسة، واللواء ريفي في غنىً عن ثنائنا على إنجازات مديرية قوى الأمن الداخلي، وعن ثنائنا على نزاهته وحزمه، ولا نحن من الذين يمدون يدهم مع الذين يسعون بشدة الى هدم مؤسسات الدولة بعدما تم تطويقها وشلها تمهيداً لتدميرها.
في 19 آب 2009 كتبنا في هذا الهامش تحديداً وتحت عنوان: "ممنوع المس بالوزير زياد بارود، هذا الوزير تحديداً هو عند اللبنانيين خط أحمر، ولأسباب كثيرة، أولها أنه جاء إلى الوزارة نظيفاً بكفاءته وبذل أقصى جهوده وقدم أفضل ما لديه في بلد "كل مين إيدو إلو"!! ولأنه أيضاً عمل جاهداً، إلا أن يداً لوحدها لا تصفق، والعادة اللبنانية أن كثيرين يرقبون الناجح والنظيف لينجروا له "الخوازيق" ويضعوا العثرات في طريقه!!" . يومها كان كلامنا دفاعاً عن الوزير بارود في وجه حملة عنيفة مسعورة طاولته، كتلك التي تتعرض لها مديرية قوى الأمن الداخلي وقيادتها، والدفاع عن مؤسسة قوى الأمن هو دفاع عن وزارة الداخلية، وإن سبقت قسوة العتب إلى الوزير بارود فلأننا يَعز علينا أن يتعرض حجر الزاوية في وزارته للاعتداءات اليومية حتى بلغ الأمر حد الإهانة وكنا نتوقع أن يضع الوزير بارود حداً لما يحدث، وزاد الموقف اشتعالاً "تسريب" خبر "إجراء تأديب" لوسائل الإعلام وكأنه "انضمام" إلى الحملة، وليس لدينا أدنى شك أن الوزير بارود لم يسرب الخبر، وأن الذي سربه أراد منه صب الزيت على النار وزيادة الحملة تسعيراً…
وما صدر عن الوزير زياد بارود من توضيح صوب الأمور في حرصه على عدم استدراج المؤسسات إلى مساجلة النواب والسياسيين، إلا أننا وبقدر ما نؤيد معاليه في رؤيته هذه، نود أن نلفته أن هذا يصح عندما نكون نعيش حياة سياسية طبيعية، لا وسط هذه "العصفورية" التي تحاصرنا يومياً بهذا المستوى الرديء من "السفاهة" السياسية…
أما ما اعتبره البعض تجريح بشخص معاليه، فنحن من أحرص الناس على الوزير زياد بارود لأنه جاء إلى الوزارة من عالم المجتمع الأهلي اللبناني ليس مدعوماً بطائفة ولا مفروضاً على اللبنانيين، فقد يكون الوزير الوحيد الذي توسم فيه اللبنانيون خيراً ومازالوا، وبناء على ما قاله بارود شخصياً عن وضع الأمر في حدوده وعدم تحميله مساجلات سياسية، نضم هامشنا إلى صوته وأن يطبق المادة 112 من قانون عام 1959 على اللواء على الحاج وعلى اللواء جميل السيد، وأن نسمع عن معاقبة الضباط المسؤولين في جهاز أمن المطار التابع لسلطته الذين وقفوا يتفرجون على اجتياح المطار استقبالاً لجميل السيد، حتى يستقيم الحرص على المؤسسات وتطبيق القانون وممارسة معاليه لكامل صلاحياته.
أما نحن فلن نتراخى لحظة في الدفاع عن كل مؤسسات الدولة المستهدفة بشدة في هذه الحقبة الدقيقة من تاريخ لبنان، ولن نتوانى في الدفاع دائماً مؤسسة قوى الأمن الداخلي وقيادتها، لأنها حصن أمن وأمان اللبنانيين، وهذه هي أسباب استهدافها.