مخطئ من يعتقد ان زمن الاحتلال انتهى وان اللبنانيين يعيشون أيام الحرية والسيادة والاستقلال، فواقع الامر عكس ذلك. لقد شهد لبنان في تاريخه الحديث ثلاثة احتلالات رابعها ما زال قائما. الاحتلال الفلسطيني ونفوذ منظمة "التحرير" وما أدى اليه ذلك من صدام لبناني داخلي، تلاه الاحتلال الاسرائيلي بالتزامن مع الاحتلال السوري.
كل هذه الاحتلالات كانت غريبة وكان من الطبيعي ان تصل الى يوم تقهقر فيه وتنسحب لتترك الأرض لأصحابها، فشواهد التاريخ لم تقل يوما ان احتلالا استطاع ان يستوطن بلدا ويسيطر عليه الى ما لا نهاية. اللبنانيون خبروا التعامل مع القوات الاجنبية وأرغموها على الخروج وأعوام 1983 و 2000 و2005 تثبت ذلك.
إيران الثورة كانت أذكى في اختراق الساحة اللبنانية لتحتلها بأبناء جلدتها، فأوجدت "حزب الله"، الذي يكشف اليوم عن وجهه الحقيقي كفصيل من "الحرس الثوري" بممارسة لا تختلف كثيرا عما كان السوريون يفعلونه ومن قبلهم الاسرائيليون والفلسطينيون. أوجه الشبه قائمة، فالسلاح منتشر تحت عنوان المقاومة ويمكن استعماله في اي لحظة وبأي ذريعة و7 أيار وأحداث عائشة بكار وبرج ابي حيدر وسواها من الحوادث، أدلة لا تقبل التكذيب.
عمليات الاستدعاء والجلب التي تحصل في مناطق نفوذ "الحرس الثوري" نسخ من "فناجين القهوة" التي كانت المخابرات السورية تقدمها في مفارز البوريفاج والكولا وعنجر وغيرها.
في زمن الوجود السوري كانت هيمنة القوة تعوق العمل السياسي ايضا وتجبر الاطراف اللبنانية على القبول بتسويات مفروضة ليس أولها فرض المرشحين على قوائم الانتخابات النيابية ولا اخرها تعيين مديرين عامين مرورا بعقود التلزيمات وما يستتبعه كل ذلك.
هل من اختلاف في مضمون ممارسة "حزب الله"؟ الجواب حتما لا، لأن السوري الذي كان يستقوي بوصايته وبمخابراته وهيمنته، استبدل اليوم بالايراني الذي يستقوي بسلاحه وانتشاره وبسطوته على رأي طائفة كاملة تمثل ثلث الشعب اللبناني، وانطلاقا من مصادرة رأيها يتنقل الى فرض معادلة "نفّذ وإلا" على سائر الافرقاء الآخرين.
تأسيسا على سلف، سيجد الأطراف السياسيون في الداخل أنهم مجبرون على تقديم التنازل تلو الآخر لأنهم يرزحون تحت احتلال لم يجدوا السبيل الأفضل لمقاومته حتى الآن، لأنه ابن جلدتهم. وعندما سايرهم في اعتماد الحوار كوسيلة لحل النزاعات ظنوا أنهم حققوا إنجازا، واليوم ينقبل هذا الاحتلال على مبدأ الحوار ويعرقل الحكومة من داخلها ولا يجد الآخرون مفرا من الاذعان لمطالبه، لأنهم يهابون تهوره.
أمام احتلال من هذا النوع تسوية الدوحة، واعطاء ثلث مقاعد الحكومة وانشاء هيئة الحوار والتسويات المعلنة وغير المعلنة وتلك التي هي قيد التحضير كلها تنازلات مفروضة من قوة احتلال باتت تغتصب البلاد والعباد بلباس لبناني.
الشعب البناني يبدو اليوم عاجزا عن التعامل مع الاحتلال الرابع، الذي أوجده مؤسس الثورة الايرانية، الخميني، بفكرة "غير رحمانية" مدركا أن نجاح اي نبتة يشترط زراعتها في تربة صالحة تعطيها القابلية للحياة وهذا بيت القصيد.
إن الانتقال لترجمة شعارات السيادة والحرية والاستقلال يستلزم بالدرجة الاولى فصل بذرة الاحتلال الايراني عن الشعب اللبناني وتفكيك البنية التحتية لهذا الاحتلال المتمثلة بمدارسه ومؤسساته ومستشفياته وكل مكونات جمهوريته الخاصة، وحينها فقط تنتهي صلاحية السلاح فيأكله صدء المخازن، ومن دون تفكيك البنية التحتية وإيجاد بديل تؤمنه الدولة اللبنانية لا معنى من كل محاولات إقناع "حزب الله" بلبنانيته لأنه أولا وأخيرا يلبس القناع الايراني ويمثل الاحتلال بكل وجوهه.