#adsense

أوهام اللبنانيّين عن الجفاف والتصحّر

حجم الخط

المتغيّرات البيئيّة على الكرة الأرضيّة باتت تثير القلق وتدفع بحكومات العالم للبحث عن حلول جذريّة من شأنها خفض الكميّات الهائلة للغازات السامّة المنبعثة من المصانع والآلات والمحرّكات والتي تزيد يوميّاً من تلوّث الأجواء وتتسبّب في إختلال توازن تركيبة الطبقة الجويّة ممّا قد يعزّز نظريّة الإحتباس الحراري.



الطقس الذي يشهده حالياً لبنان والحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسّط لا يشكّل إشارة لأيّ متغيّرات بيئيّة محتملة كما يعتقد بعضهم. فكما هو معروف أنّ متوسّط كميّة الأمطار السنويّة في لبنان تتراوح بين 750 ملم و 950 ملم وهي الأعلى ضمن جميع الدول المطلّة على المتوسّط حتّى تلك الأوروبيّة منها، ولكن خلال خمسين عاماً ماضيّة حدث أن مرّت على لبنان بشكل متقطّع سنوات شبه جافّة تقريباً. ففي العام 1971 بلغت كميّة الأمطار أقل من 400 ملم، وفي العام التالي 1972 لم تتجاوز كميّة المتساقطات آنذاك 270 ملم. وفي العام 1984 بقيت الكميّة بحدود الـ 350 ملم. إذن سبق أن عاش لبنان فصول خريف وشتاء وربيع جافّة نسبيّاً، ولكن الأمر لا يقتصر على حالات من الجفاف النسبي، بل كان هناك حالات متكرّرة من هطول أمطار بكميّات على مدار فصول الأمطار الثلاثة فاقت المعدّلات السنويّة بكثير لتصل إلى ما يقارب الـ 1500 ملم كما حصل مثلاً في الأعوام 1968 و1979 وأيضاً قبل سبع سنوات أي في العام 2003 حين فاضت مياه سدّ القرعون في البقاع للمرّة منذ إنشائه في الخمسينات، وبقيت ثلوج جبل صنّين تسطع ببياضها حتّى شهر آب في عزّ فصل الصيف من العام نفسه. فيما بقيت بين الأعوام 2004 وحتّى 2009 ضمن أرقام المعدّلات العامّة.



الخوف على لبنان من الجفاف والتصحّر بسبب تأخّر هطول الأمطار هو في غير مكانه ولا وجود لأيّ مؤشّرات منطقيّة في هذا الإتّجاه، فالأرقام المسجّلة والمؤرّخة عن واقع فصول الأمطار على مدى الستّين عاماً الماضية تؤكّد أنّه كان هناك سنوات أصعب بكثير من هذا العام الذي شهد برغم ذلك قليلاً من الأمطار الغزيرة في أيلول وتشرين الأوّل وبداية تشرين الثاني.



ولكن هذا لا يعني أنّنا لن نواجه صعوبات مستقبليّة في تأمين المياه فالسكان إلى ازدياد والمدن إلى توسّع ومعدّل الإستهلاك يرتفع بشكل كبير، لذلك قد يكمن الحلّ الأمثل في تنفيذ أكبر عدد من السدود على طول مجاري الأنهار الدائمة والموسميّة الموجودة على طول سلسلة لبنان الغربيّة، والتي تذهب أكثريّة مياهها هباءً في البحر، لأنّ هذا من شأنه الحفاظ على جزء أساسي من مياه الأمطار وتحسين مستوى المياه الجوفيّة، فكميّة المياه التي تضيع سنوياً على سواحل لبنان في البحر المتوسّط تزيد عن 5 مليارات متر مكعب أي ما يعادل أكثر من 20 مرّة القدرة الإستيعابيّة القصوى لسدّ القرعون.



المسألة ليست بحاجة لدراسات معمّقة وبحوث وتحاليل، بل بحاجة إلى تصميم من قبل أصحاب القرار وتخطيط من قبل أصحاب الإختصاص ومن ثمّ تأمين مصادر تمويل وتنفيذ، وليس بالضرورة إنشاء سدود متطوّرة ومكلفة في هذه المرحلة بل سدود بسيطة بدائيّة أقرب منها إلى حواجز ردم ومحاور إسمنتيّة. وبإمكان فريق عمل من مهندسي الجيولوجيا القيام بدراسة لمسار وادي مجرى النّهر (الموسمي أو الدائم) من أجل تحديد المواقع المناسبة التي تتيح إقامة سدود من هذا النوع وتسمح بتخزين كميّة معقولة خلفها حتّى ولو بدءاً من 50 ألف متر مكعّب فقط، والتي لا يستحيل وصول المعدات المطلوبة إليها.



حسب الدراسات والتقديرات الأوّلية هناك إمكان لإنشاء أكثر من 200 سدّ على طول مجاري الأنهر وصولاً إلى ينابيعها، لتخزين مئات ملايين الأمتار المكعّبة خلال فصل شتاء واحد مهما كانت نسبة أمطاره شحيحة، وذلك بتكلفة إجماليّة أقلّ من تكلفة إنشاء 12 كيلومتر من أوتوستراد على الساحل، مع العلم أنّه لا مجال بالمطلق لمقارنة أهميّة تأمين وتوفير المياه على هذا النحو الإستراتيجي المصيري بأهميّة إنشاء مقطع بسيط من أوتوستراد.



هذا المشروع المنخفض التكلفة والفائق الأهميّة سيحوّل السفوح الغربيّة من سلسلة جبال لبنان الغربيّة إلى سفوح بمئات البرك والبحيرات وبالتالي إلى خزّان مائي هائل من شأنه إعادة رفع منسوب المياه الجوفيّة وتحسين نوعيّتها، وسيؤدّي أيضاً إلى نموّ أوسع للثروة الحرجيّة ومعاودة ازدهار حركة الطيور المهاجرة والحياة البريّة بشكل عامّ، … وإلى وضع بيئي أفضل.

المصدر:
وكالات

خبر عاجل