خيّ رجعت الشتوية. خيّ برد. نشكر الرب يسوع. لقد أمطرت. عدنا نغلّ في الشتاء. سمعنا أخيرا صوت الرعد العذب يعزف على وتر كانون. هذه نعمة. هطل المطر شلال خير، فوق ألارض الجافة المحترقة الملتهبة بالاهمال والفضائح.
"احترقت أرضي". ببسمة مرّة وعينين ملتهبتين بالزعل، أخبرني زميلي شادي. احترقت أرض شادي في جبيل، 5000 متر. احترقت الاشجار المثمرة والصنوبرات واشجار الزيتون، وزمط منها مساحة بسيطة من بستان الزيتون القريب من منزله، ولو لم يمد الله يده وينتشل الارض من اللهب ويرسل نعمة المطر، لتحوّل منزل شادي كما أرضه، الى قطعة فحم… وسكت شادي ما عاد يستطيع الكلام عن أرضه… أقصد عن قطعة الفحم التي تبقّت له!
في جزين وبعبدا ووادي شحرور…. في كل منها شادي يبكي أرضه ورزقه، ولبنانيون مذهولون، لا يعرفون من أي جهة يتلقّون الضربات، من السياسة أم من الطبيعة أم، وهنا القصيد وبيته، أم من اهمال السلطات. مذهولون بوطن يحترق من زرزور سيجارة، وأحيانا كي لا نقول غالبا، من ولعة يرميها عمدا ملعون ويمضي، لتتحول الارض من بعده الى لعنة بحد ذاتها.
ستي تقول: "هادا غضب ربنا على شعبو الكافر". ربما. لكن ستي التي تحيك ذكرياتها قرب نافذة كانون، لم تمر عليها اياما مماثلة. هي تذكر فقط اواخر الخمسينات، عندما انحبس المطر حتى 28 كانون الاول، ونضبت الينابيع وبدأوا يملاون الجرار من العين على ظهر الحمير، الى ان استيقظوا صبيحة اخر يوم من كانون، وكان الثلج بعلو ثلاثة أمتار، واستمر لخمسة أيام متواصلة. لم تعلق في ذاكرة ستي، أي خبرية عن حريق هائل اندلع في أحراج الضيعة أو ما شابه، تخبر فقط ان حريقا صغيرا اندلع ذات صباح من آب، في بستان والدها بو مخايل، وقرع جرس الكنيسة فهبّ أهل الضيعة لنجدة البستان، الذي لم يأخذ معهم أكثر من ساعة لاخماده، لان الساقية تمر من قلب البستان. ستي تختصر الحكاية بكلمة وتكررها على مدار الساعة، "هادا غضب ربنا".
طيب لو لم يمدّ الله يده ماذا كان ليحصل بعد؟! لو لم تمطر ماذا كان ليحصل أكثر بعد، في ما تبقى من أحراج لبنان ؟ أي بلد هذا يسمح بان تستمر النيران، وعلى مدى سبعة ايام متواصلة من دون توقف كما في فتري ! سبعة أيام من دون توقف يا جماعة! في أي بلد في العالم يكتفي المسؤولون باطفاء الحرائق بالتصريحات قبل الاليات والمعدات اللازمة! في أي بلد في العالم تتنقل الحرائق وكأنها مبرمجة على الريموت كونترول، لتختار أجمل المساحات الخضراء، او لعلها مساحات "يجب" ان تحترق كي تصبح مساحات مكشوفة، بينما يكتفي المسؤولون باطلاق نداءات الاستغاثة من هنا وهنالك!
يا عالم كيف يمكن لفرق الدفاع المدني والاطفاء التحرك، في حين لا تملك من المعدات الا ما يكفي لاخماد حريق متواضع لا تتعدى مساحته الامتار القليلة؟ بماذا يخمدون؟ باجسادهم، فعلوها. بهمّتهم فعلوها، وماذا بعد؟ طيب لو لم يمد الله يده ويرسل كانون الحقيقي، ماذا كان سيحصل؟ واذا كانت غالبية تلك الحرائق مفتعلة، اليس هذا التقصير الفاضح هو مشاركة في "الافتعال"؟ أم لعل احتراق غابات لبنان، أمر سخيف وثانوي لا يستدعي اعلان حال الطوارىء؟!
خي عاد كانون. ستي توقد النار فقط في موقد الحطب، وتطبخ الفاصوليا على نار هادئة، احاول اقناعها، ان هذا ليس غضب ربنا ان لم تمطر حتى الان، وان يتحول لبنان الى قطعة فحم، انما هي خطئية لبنانيين، حوّلوا بلادهم الى مشاع مفتوح، يعبث به لبنانيون وغرباء ويجعلونه أرضا مشرّعة على كل الاحتمالات السيئة.
تحرّك ستي الفاصوليا، وتضبضب شعرها تحت منديلها، وتسحب الحطبة المتّقدة وتستبدلها باخرى صارت جمرة، كي لا تحرق طبختها، وتقول بوجهها المشع: "يا ستي عم إلك هادا غضب ربنا"…وانا صدقت ستي، لان لو لم يكن كذلك، لما احترقت بلادي وبعض المسؤولين فيها ما زالوا مسؤولين…