كتب عباس صالح في صحيفة "النهار":
لم يسبق أن شهدت قيادة مؤسسة رسمية في لبنان سجالاً كالذي تشهده مؤسسة قوى الأمن الداخلي حول هيكلية مجلس قيادتها، لا سيما في شأن سبل وطريقة اتخاذ القرار في داخله بالاستناد الى القانون.
هناك حالياً خمسة أعضاء أحيلوا على التقاعد من أصل عشرة، مما يعني ان المجلس بات منحلاً بحكم القانون، وليس في امكان أحد من المعنيين تعيين بدائل عنهم إلا في إطار صفقة شاملة ترضي كل القوى السياسية المتمثلة في مجلس الوزراء من دون استثناء.
ووسط هذه الأزمة المستفحلة، والناجمة من "شلة" الأزمات التي تعيشها البلاد منذ مدة، ثمة من يرى ان الفرصة قد تكون مناسبة لإجراء تعديلات جوهرية تتعلق بآليات اتخاذ القرار داخل المجلس، بدلاً من الآليات الحالية التي تساهم في تعقيد الأمور وتزيد الطين بلة.
يتألف مجلس قيادة قوى الأمن الداخلي من 11 عضواً، بمن فيهم المدير العام لقوى الأمن الذي يرأسه، ولا يكتمل نصابه عند الانعقاد إلا في حضور 8 من أصل 11. لكن المستجد أن 5 أعضاء أصيلين فيه انتهت مدة خدماتهم وبلغوا السن القانونية وأُحيلوا على التقاعد في ظل الأزمة السياسية التي تعصف بالبلاد. فتجمد عمل كل مؤسسات الدولة، ولا سيما بداعي شغور المناصب الأساسية من شاغليها وحلول آخرين مكانهم بالتكليف، وهو أمر انسحب على كل مرافق الدولة في الآونة الأخيرة، والذي نتج من عدم الانسجام والتفاهم بين مكونات الحكم في لبنان، وعدم اتفاق مجلس الوزراء ذي التركيبة التعطيلية والمعطلة، مما يجعل إمكان التفاهم على أسماء قادة وحدات قوى الأمن الداخلي شيء يشبه المستحيل اذا لم يقترن الحل باتفاق عام بين كل القوى السياسية على التفاصيل والاتفاق تالياً على ملء كل الشغور في المناصب الأمنية الأساسية على قاعدة التقاسمّ!
اليوم، بعد تقاعد 5 أعضاء من مجلس قيادة قوى الأمن الداخلي المنقسم أصلاً على نفسه بطريقة تشبه الانقسام السياسي السائد في البلاد، لبلوغهم السن القانونية، وهم: رئيس وحدة الخدمات الاجتماعية العميد سمير قهوجي الذي احيل على التقاعد في 4/12/2009 والمفتش العام لقوى الأمن الداخلي العميد سيمون حداد الذي تقاعد من منصبه في 1/8/2010 وقائد وحدة الشرطة القضائية العميد أنور يحيى الذي تقاعد في 10/8/2010، وقائد معهد قوى الأمن الداخلي العميد عبد البديع السوسي الذي بلغ السن القانونية في 7/10/2010، وقائد شرطة بيروت الذي شغر بعد خروج العميد نبيل مرعي منه في 16/11/2010، فقد أصبح المجلس بحكم غير القائم أصلاً، وبالتالي تحولت صلاحياته بالاستناد الى القانون الى المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي.
وتعتبر عضوية قادة الوحدات الذين ما زالوا يشغلون مناصبهم معلقة داخل مجلس القيادة لعدم انعقاده، وهم: قائد الدرك العميد انطوان شكور الذي يتقاعد في 19/3/2011، وقائد جهاز أمن السفارات العميد عدنان اللقيس الذي يغادر في 18/3/2011، وقائد القوى السيارة العميد روبير جبور الذي سيبقى في منصبه حتى يوم 10/11/2012، ورئيس الأركان العميد جوزف الحجل الذي يبلغ السن القانونية في 26/11/2012، ورئيس الادارة المركزية العميد محمد قاسم، والذي لن يتقاعد قبل 26/2/2013.
وبناء لهذا الواقع الذي يساهم في استمرار الجمود المؤسساتي على أكثر من صعيد، تحرك وزير الداخلية زياد بارود في محاولة منه لتحريك المياه الراكدة، على الأقل، في أكثر من اتجاه، فرفع في 4/10/2010 إلى مجلس الوزراء، مشروع مرسوم لتعيين قادة وحدات في المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي ومشروع مرسوم تعيين مفتش عام في المديرية وكلهم أعضاء حكميين في مجلس قيادة قوى الأمن الداخلي.
وقد اقترح بارود تعيين كلاً من: العميد روجيه سالم مفتشاً عاماً لقوى الأمن الداخلي، العميد ابرهيم بصبوص قائداً لمعهد قوى الأمن الداخلي، والعميد صلاح عيد قائداً لوحدة الشرطة القضائية، والعميد لحود التنوري رئيساً للخدمات الاجتماعية، علماً أن مشروع بارود ارسل قبل احالة العضو الخامس من المجلس على التقاعد تداركاً للفراغ.
وبعدما نام مشروع بارود في الأدراج كآلاف المشاريع المماثلة، احيل قائد وحدة شرطة بيروت العميد نبيل مرعي في 16/11/2010 الى التقاعد أيضاً، وحصل ما لم يكن بارود يرغب في الوصول اليه.
كتاب ريفي
من الواضح أن هواجس بارود ومخاوفه تختلف جذرياً عن مخاوف المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي وهواجسه في هذا الصدد، فالأول يفكر في ملء الشغور للمحافظة على انتظام عمل مؤسسات الدولة، أما الثاني فيرى ان انتظام عمل مؤسسات الدولة ضروري جداً، لكنه يتطلع الى تعديل جذري في آليات عمل مجلس قوى الأمن الداخلي الحالية، والتي تتيح تعطيل عمله في أي لحظة، حتى ولو كان مكتمل الأعضاء. وهذا ما أدى الى التجاذبات التي شهدها مجلس القيادة طوال الاعوام السابقة، وشلته في نهاية المطاف، لان "الداء" الذي وصفه في كتاب كان قد ارسله في 5/1/2009 الى وزارة الداخلية والبلديات وفق الاصول القانونية، يكمن في القانون رقم 17 تاريخ 6/9/1990 المتعلق بتنظيم قوى الامن الداخلي، لا سيما في المواد 18 الى 22 منه.
يعرض ريفي في ذلك التقرير "واقع ومعوقات آلية اتخاذ القرارات في مجلس قيادة قوى الامن الداخلي"، واقترح تعديل آلية اتخاذ القرار في المجلس، لان "هذا الاجراء جاء (في حينه) من اجل ابقاء سلطة اتخاذ القرار خارج نطاق المؤسسة، وان هذه الطريقة تتنافى مع ابسط القواعد الديموقراطية في المؤسسات وهي تعوق التغيير والتطوير وتعرقل اتخاذ القرارات". وسأل: "هل من الطبيعي ان يكون تعديل الدستور اسهل من اتخاذ القرار في مجلس قيادة قوى الامن الداخلي؟".
وقد ذكر ريفي في تقريره: "ان جميع المؤسسات، مدنية كانت ام عسكرية، تتولى ادارتها او قيادتها هيئات ومجالس مكونة من عدد محدود من الاعضاء تعمل كفريق عمل موحد وتنحصر بها سلطة اتخاذ القرار في القضايا المهمة، ذلك ان العمل الجماعي المنظم والمؤطر بنصوص قانونية من شأنه ان يصوب الاداء ويحد من الاخطاء ويعود بالفائدة الكبيرة على تلك المؤسسة". من هذا المنطلق، فان غالبية المؤسسات العسكرية والامنية في لبنان تتولى ادارتها او قيادتها مجالس عسكرية او مجالس قيادة لا يتجاوز عديد اكبرها الستة اعضاء وتتخذ فيها القرارات بالاغلبية المطلقة.
فالجيش اللبناني على سبيل المثال، والذي يفوق عديده اضعاف عديد قوى الامن الداخلي، يتألف المجلس العسكري فيه من قائد الجيش رئيسا ومن خمسة اعضاء، وتتخذ قراراته بالاكثرية. وعند تعادل الاصوات يكون صوت الرئيس مرجحا (المادتان 26 و28 من المرسوم الاشتراعي رقم 102 تاريخ 16/9/1983 "الدفاع الوطني").
وفي المديرية العامة للامن العام يتألف مجلس القيادة من المدير العام رئيسا ومن اربعة ضباط قادة اعضاء وتتخذ القرارات وفقا لاحكام المواد 19 الى 22 من قانون تنظيم قوى الامن الداخلي، على ان تستبدل اكثرية الثمانية اصوات باكثرية ثلاثة اصوات (المادة 47 من المرسوم الاشتراعي رقم 139 تاريخ 12/6/1959 تنظيم المديرية العامة للامن العام).
اما في المديرية العامة لامن الدولة فيتمتع المدير العام ونائبه بالصلاحيات نفسها لمجلس القيادة في المديرية العامة للامن العام، وفي حال حصول خلاف بين المدير العام ونائبه، يرفع المدير العام الخلاف الى المجلس الاعلى للدفاع للبت فيه (المادة 3 من المرسوم رقم 2661 تاريخ 3/9/1990، تنظيم المديرية العامة لامن الدولة).
اما في المديرية العامة لقوى الامن الداخلي، فقد صدر في 6/9/1990 القانون المستند الذي عدل في هيكلية قوى الامن الداخلي وحدد مهماتها في مجالي الضابطتين الادارية والعدلية وضابطة السير، اضافة الى مؤازرة السلطات في تأدية وظائفها وحراسة المؤسسات والادارات والبعثات الاجنبية. واستنادا الى هذا القانون، قُسمت قوى الامن الداخلي الى عشر وحدات، واصبح مجلس قيادتها مؤلفا من رئيسه المدير العام لقوى الامن الداخلي، اضافة الى قادة الوحدات العشرة اعضاء، واصبحت القرارات في مجلس القيادة تتخذ باحدى طريقتين:
الاولى، باجماع او باغلبية ثمانية اصوات على الاقل، وذلك في ما خص القضايا المنصوص عنها في البنود من 20 الى 25 من المادة 20 من القانون المستند.
الثانية، بالاجماع، او باغلبية ثمانية اصوات على الاقل شرط موافقة وزير الداخلية عليها، وذلك في ما خص القضايا المنصوص عنها في البنود الاخرى من المادة 20 المنوه عنها.
وقد كانت المرة الاولى في تاريخ قوى الامن التي تتخذ فيها آلية اتخاذ القرارات في مجلس القيادة بهذه الطريقة، والتي لا يجد فيها المتابع للمرحلة الماضية ادنى عاناء في تحديد هوية من كان يتحكم بسلطة القرار في لبنان، وان خلفية هذا الاجراء تكمن في ابقاء سلطة اتخاذ القرار خارج نطاق المؤسسة.
ومما لا شك فيه، ان هذه الطريقة تتنافى مع ابسط القواعد الديموقراطية في المؤسسات وهي تعوق التغيير والتطوير وتعرقل اتخاذ القرارات.
ويتابع ريفي في تقريره بالتساؤل: "أويعقل ان تعدل الدساتير باغلبية ثلثي الاصوات وسائر القوانين بالاغلبية المطلقة في حين يتطلب اتخاذ القرار في مجلس قيادة قوى الامن الداخلي اكثر من ثلثي الاصوات على الاقل، في بعض القضايا، والاجماع في قضايا اخرى. وهل من الطبيعي ان يكون تعديل الدستور اسهل من اتخاذ القرار في مجلس قيادة قوى الامن الداخلي؟
وهل يعقل ان يسقط في مجلس قيادة قوى الامن الداخلي المؤلف من احد عشر عضوا اي قرار يتخذ في القضايا غير الاساسية بأقل من ثمانية اصوات؟ حتى ولو كان باغلبية سبعة اصوات (اي ما يزيد عن 62 في المئة من مجموع الاعضاء)، فكيف والحال هذه مع تلك الاساسية؟
النتيجة المنطقية لهذا الواقع، هي اعاقة التطوير وجعل عملية اتخاذ القرارات في القضايا المهمة امرا صعب المنال، ان لم يكن مستحيلا في بعض الاحيان. وبناء على ما تقدم، ورغبة في تفعيل عمل قوى الامن الداخلي من خلال توفير المرونة اللازمة لبت القرارات المتعلقة بها في مختلف القضايا لاسيما المهمة منها، وانطلاقا من حرصي الشديد على عمل كل ما من شأنه رفع مستوى هذه القوى وتعزيز دورها الوطني…
"لذلك ارتأيت ان اتشرف واعرض الى معاليكم الواقع العملي لمسألة اتخاذ القرار في مجلس قيادة قوى الامن الداخلي كما ذكر اعلاه، مقترحا على جانبكم اتخاذ ما ترونه مناسبا، توصلا الى تعديل آلية اتخاذ القرارات في مجلس القيادة لتتطابق مع تلك المعتمدة لدى قيادة الجيش، بحيث تتخذ قراراته بالاكثرية وعند تعادل الاصوات يكون صوت الرئيس مرجحا، مما ينسجم مع الغاية المتوخاة من انشاء هذه المؤسسة العريقة، ودائما وفقا للآليات والاصول الواجب اتباعها قانونا".