كتب إيلي الحاج في "النهار": لن يكون ما بعد صدور القرار الاتهامي مثل ما قبله بالطبع. فثمة انفعالات ستأخذ مداها لكن بلا عنف، وإعلام سيفلت من كل صوب، وقبور ستُنبش وذكريات اليمة ستطفو الى السطح. وسيظن كثيرون انها مقدمات حرب أهلية من جديد لكنها لن تقع، ليس لأن الطوائف والأحزاب نضجت وباتت تدرك العواقب وتعلمت من التجارب فحسب، بل أيضاً لأن الخارج على تنوعه لا يريدها ولن يغذيها. وهذه ليست من أنواع التكهنات بل قراءة تكاد تجمع عليها الفئات كلها بتناقضاتها وخلافاتها حتى الجذرية منها.
فالتحارب مقتلة للجميع، ولا بد بعد فوران الأعصاب والمشاعر الذي قد يستمر أياماً وأسابيع من تسوية على قاعدة التطلع الى الأمام وعزل لبنان عن تأثيرات المحكمة الدولية. وفي التسوية وبعدها ستخلط أوراق وقد تتغير تحالفات فلا يعود التخندق القائم اليوم بين جبهتين قائماً. وسيفتش كل فريق عما يناسبه ويحفظ دوره تحت سقف التسوية.
استباقاً لتلك الأيام الآتية، تنشط مجموعة واسعة، متعددة المشارب والانتماءات، من الناشطين والمهتمين بالشأن العام لصوغ تصور يتيح لكل فريق في لبنان أن يعيد فحص الأرض التي يقف عليها تحت شعار هو "العدالة والمصالحة"، باعتبار ان لا مفر من ترك العدالة تأخذ مجراها وهذا حق وواجب في الوقت نفسه، إلا ان العدالة ليست القيمة المطلقة وحدها ولا بد ان تتبعها المصالحة لأن الغاية منها لا هي الثأر ولا الانتقام، المصالحة من أجل جيل الأبناء والأحفاد الواجب تهيئة الظروف لهم من اليوم كي يبقوا في لبنان ويحبوه ويضحوا من أجله.
تنطلق فكرة "العدالة والمصالحة" في تطبيقاتها السياسية من ان عفواً عاماً صدر عن الجرائم التي ارتكبت في الحرب، لكن هذا العفو لم يكن عاماً حقيقة، اذ استثنى جرائم اغتيال القيادات في تمييز لا انساني بين اللبنانيين، كما ان تطبيقاته جاءت قمة في التشويه لمفهوم العفو اذ اعتمدت الاستنسابية والكيدية وروح الانتقام من فئة واحدة ولاسباب سياسية سلطوية لا علاقة لها بمفهوم المصالحة التي قام عليها اتفاق الطائف.
هكذا كان اتفاق الطائف لحظة لاعادة تركيب ميزان القوى في لبنان بالنسبة الى من اشرفوا على تطبيقه المجتزأ، مسقطين المعنى الاسمى المتمثل في ضرورة المساواة بين الاطياف – الطوائف على قاعدة القبول بالآخر اياً تكن درجة اختلافه وحتى ارتكاباته والسعي الى سلام حقيقي في الداخل اللبناني على قاعدة ان كل مكوّن من مكونات البلاد له قسط ودور في اثرائها وتحقيق منعتها واستقلالها.
واليوم، يحدد تجمع "العدالة والمصالحة" خلال لقاء في فندق "لوغبريال" في الاشرفية المبادئ العامة للمصالحة الوطنية الشاملة التي سيكثر الحديث عنها بعد "العاصفة" المرتقبة من صوب هولندا.
وكلمة "مصالحة" ستكون ذات وقع على الارجح في وقت يكثر فيه الكلام على قطع الرؤوس والايدي وو…