يحلو كثيراً للنائب ميشال عون وأعضاء فريقه السياسي الكلام عمّا يسمّى بـ"المحاسبة الماليّة" للمرحلة ما بين الأعوام 1992 و2005، كما يكثرون من توجيه أصابع الإتّهام حصراً إلى "تيّار المستقبل" وفريق الرّئيس الشهيد رفيق الحريري لدرجة أنّ مشروع فتح الملفّات الماليّة للمرحلة السابقة يكاد يتحوّل إلى مشروع حقد أعمى هدفه الأوحد تشويه صورة رفيق الحريري والنيل من آل الحريري بأيّ ثمن حتّى لو تطلّب ذلك ممارسة سياسة الكذب والخداع وذرّ الرماد في العيون تشويهاً للحقائق.
مرحلة ما بين إقرار الطائف وخروج السوريّين من لبنان، كانت من المراحل المثيرة للجدل في تاريخ لبنان المعاصر، فهي وإن شهدت إنطلاق مشروع إعادة إعمار ما دُمّر في الحرب الأهليّة، وكذلك إعادة وضع لبنان مجدّداً على خارطة العالم السياسي والإقتصادي والسياحي بعد أن غاب عنها لما يزيد عن 17 عاماً، إلاّ أنّها كانت بالفعل مرحلة اتّسمت بالكثير من التجاوزات والمخالفات على مستويات عدّة ورتّبت على الدولة اللبنانيّة وبالتالي على الشعب اللبناني أعباء كبيرة نسبيّاً.
ولكن كيف حُكِم لبنان ما بين 1992 و2005 ؟
كيف كانت تُؤخذ القرارات في الحكومة وكيف كانت تصدُر القوانين وتُمرّر المشاريع في مجلس النواب؟ لأنّه عبر هاتين المؤسّستين صِيغت واتُّخذت ونُفذت كلّ القرارات الأهمّ في المرحلة السابقة.
الحكومات
قام الرّئيس الشهيد رفيق الحريري بتشكيل 5 حكومات من 24 أو 30 وزيراً وذلك حتّى صيف العام 2004 قُبيل التمديد لرئيس الجمهوريّة إميل لحّود، إلى جانب حكومة الرّئيس سليم الحصّ التي دامت من العام 1998 إلى 2000، وأكثر من 60% من وزراء كلّ تلك الحكومات (من دون استثناء) هم حاليّاً موجودون في معسكر"8 آذار" السياسي، وإذا أضفنا وزراء وليد جنبلاط إليهم لشكّلوا 70% أو أكثر، فيما كان هناك 25% تقريباً من تكتّل "14 آذار" الحالي والباقي من المستقلّين، (التشكيلات مع الأسماء موجودة في أرشيف كافّة وسائل الإعلام كما أنّها معروفة لدى غالبيّة اللبنانيّين)، …. إذن كيف كان الرّئيس الحريري يتحكّم بحكومةً لا يملك فيها حتّى رُبع عدد وزرائها، وكيف كانت لتمرّ القرارات لو عارضها آنذاك الوزراء المحسوبون حالياً على "8 آذار" والذين كانوا دائماً الأكثريّة الساحقة في كلّ حكومات الرّئيس الحريري وحكومة الرئيس الحصّ أيضاً ؟
المجالس النيابيّة
ما بين الأعوام 1992 و2004 مرّ على لبنان 3 مجالس نيابيّة، فكان أكثر من 70% من النوّاب في دوراته الثلاثة هم من المنضوين حاليّاً تحت لواء "8 آذار"، …. إذن كيف كانت تصدر القوانين وكيف كان يتمّ التّصديق على المشاريع والكتلة التابعة للرئيس الحريري لم تستحوذ يوماً على أكثر من 25% من أعضاء مجلس النواب؟ وإذا كان هناك تجاوزات ومخالفات في عمل الوزارات والمؤسّسات فلماذا لم يمارس مجلس النواب سلطته الرقابيّة ويتّخذ القرارات المناسبة في هذا الشأن؟
الإدارة السياسيّة
القاصي والدّاني يعلم أنّ الإدارة السياسيّة الفعليّة في لبنان كانت منذ الطائف وحتّى شباط 2005 واقعة تحت تأثير سوريا من خلال وجودها العسكري القوي، فكانت توجيهاتهم وتمنّياتهم بمثابة أوامر غير قابلة للمساومة. ولكن حتّى في هذه الناحيّة كانت علاقة أقطاب "8 آذار" الحاليّين بالسّوريّين أقوى بكثير من علاقة الرئيس رفيق الحريري بهم.
هذا أيضاً بالإضافة إلى كون رئيس الجمهوريّة إميل لحّود، الشخصيّة اللبنانيّة الأقوى بين 2000 و2005، من أشدّ المناهضين للرئيس الحريري على الصعيدين الشخصي والسياسي.
في ظلّ هذه المعدلات أعلاه والتي كانت قائمة منذ 1992 وحتّى 2005 ما كان الرّئيس الحريري ليُعيّن موظّفاً واحداً أو يُقيل آخر لو لم يوافق على ذلك الفريق الآخر والذي كان بالفعل صاحب الأكثريّة الوزاريّة والنيابيّة الساحقة وصاحب العلاقة الأفضل مع رئيس الجمهوريّة وصاحب العلاقة الأمتن مع سوريا الحلقة الأقوى بامتياز خلال كلّ تلك المرحلة.
فلماذا إذن يتعمّد النائب ميشال عون وفريقه التّصويب على الرئيس رفيق الحريري حصراً من دون غيره مع أنّهم يعلمون ويدركون تماماً أنّ مسؤوليّة التبعات السلبيّة لتلك المرحلة تقع على عاتق أطراف وجهات عدة لا يُستثنى منها سوى "التيار الوطني الحرّ" و"القوّات اللبنانيّة" كونهما كانا مغيّبان قسراً عن الساحة السياسيّة في لبنان؟ كما يُستثنى "حزب الله" من كامل إطار العمل الحكومي كونه لم يكن يشارك فيه، ولكنّه يحمل جزءاً من المسؤوليّة عن دوره في كلّ ممارسات مجلس النواب الذي كان ممثّلاً فيه بقوّة.
جميع من كان مشاركاً أو مساهماً أو مؤثّراً في العمل السياسي بين 1992 و2005، يحمل تلقائيّاً جزءاً من المسؤوليّة عن كلّ القرارات التي اتُّخِذت خلال تلك المرحلة بسلبيّاتها وإيجابيّاتها، وذلك بناءً على حجم تمثيله الوزاري والنيابي أنذاك وبناءً على دوره في صياغة وصدور وتنفيذ هذه القرارات إنطلاقاً من واقع المعادلة السياسيّة المفصّلة أعلاه.
المحاسبة الماليّة عن المراحل السابقة والحاليّة واللاحقة هي مطلب أخلاقي وإنساني لكل مواطن لبناني شريف، ويجب أن يُفتح هذا الملفّ، ولكن مقاربة "التيار الوطني الحرّ" لهذا الموضوع فيها تجني كبير على الرّئيس الشهيد رفيق الحريري وتحمل في طيّاتها نوايا خبيثة.