يواصل فريق من الباحثين في الجامعة الأميركية في بيروت، برئاسة الأستاذة المساعدة في الكيمياء التحليلية والجوية في دائرة الكيمياء ومديرة مركز "حماية الطبيعة من أجل مستقبل مستدام"، في الجامعة الدكتورة نجاة صليبا، دراسة لتحديد نسبة التلوث في الهواء الذي يتنشقه الشخص العادي في بيروت. والفريق.
وقد بدأ هذا الفريق إجراء أبحاثه حول نوعية الهواء في بيروت في العام 2001. وفي العام 2008 باتت أبحاثه تندرج ضمن فعاليات وحدة "نوعية الهواء في لبنان" التي أطلقها المجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان.
وأوضحت الدكتورة صليبا: "في السابق، لم يكن لدينا بيانات منهجية تعود لسنوات، وما زالت جميع دول المنطقة تفتقر إلى دراسات أساسية، لذلك لم يكن لدينا أي شيء للمقارنة".
وبعد تحليل البيانات التي تم جمعها خلال فترة الدراسة، نشرت صليبا وفريقها أخيرا نتائجها المجمعة هذا العام. وقد وجد الباحثون أن مستويات مختلفة من الجسيمات في الهواء التي تؤثر سلبا على صحة الإنسان إلى حد كبير تتجاوز المستويات القصوى المسموح بها والتي حددتها منظمة الصحة العالمية.
وأكّدت صليبا أن الجسيمات يمكن في بعض الأحيان أن تكون مسببة للسرطان، عندما يتنشق المرء الجسيمات يمكن أن تتوقف عند مستوى الحنجرة، أو تذهب مباشرة إلى الرئتين حسب حجمها.
وتكشف الدراسة أن الجسيمات "الخشنة" (بين ميكرومترين ونصف وعشرة ميكرومترات في القطر) التي تم العثور عليها في الهواء الطلق في مناطق حارة حريك، وبرج حمود، وعبد العزيز، وشارع بلس، والمنارة قرب الجامعة الأميركية في بيروت تبلغ نحو ثلاثة أضعاف المستويات المسموح بها التي حددتها منظمة الصحة العالمية. لكن الجسيمات "الناعمة" التي تبلغ أقل من ميكرومترين ونصف في القطر، وتشكل خطورة أكبر على الصحة بسبب صغر حجمها، بلغ معدلها في بيروت ثلاثة أو أربعة أضعاف المعدلات المقبولة في معايير منظمة الصحة العالمية.
وأوضحت صليبا أن الغبار الناتج عن أعمال البناء المزدهرة في بيروت قد لا يسبب السرطان، ولكن له آثار سلبية على الصحة العامة. وقد ثبت أنه يسهم في التهاب الشعب الهوائية، والحساسية، والربو، والتهاب الشعب الهوائية المزمن، مع آثار أكبر على الأطفال. لافتة إلى أن الخطورة الأكبر على الصحة العامة تأتي من تزايد انبعاثات الكربون مع تنامي عدد السيارات وحركة المرور في ساعات الذروة، وهي انبعاثات ثبت أنها مسببة للسرطان. ويقدّر أن لبنان استقبل نحو مليون وستمئة ألف سيارة على مدى العشرين عاما الماضية. وتجدر الإشارة إلى أنه ومع ازدياد مبيعات السيارات الجديدة بمعدل ثابت يبلغ حوالي خمسة بالمئة سنويا، فيمكن للمشكلة أن تزداد سوءا.
وتظهر أبحاث فريق الدكتورة صليبا أن متوسط مستويات الجسيمات الخشنة في الداخل هي أعلى بكثير من المستويات في الهواء الطلق.وخلال أشهر الصيف تبلغ في بعض الأحيان المستويات الداخلية في الأحياء التي تمت دراستها حوالي ضعفين ونصف للمستوى القياسي لمنظمة الصحة العالمية. أما خلال أشهر الشتاء، عندما يتم إغلاق النوافذ وتشغيل السخانات، فيصل متوسط المستويات إلى خمسة أضعاف المعدل المقبول في حين تنخفض المستويات في الهواء الطلق.
وأشارت صليبا إلى أن تلوث الهواء في أحد الشقق بلغ عشرة أضعاف المستوى المقبول عند منظمة الصحة العالمية، وقالت: "في أحد المنازل، قالوا أنه يتم إشعال ثماني نراجيل في الوقت نفسه، وهذا مفجع".
وتستعد وحدة الأبحاث النوعية الآن لإجراء أبحاث مماثلة في منطقة بيروت الكبرى على أمل أن توفر للأوساط العلمية بيانات موثوقة في جميع أنحاء البلاد وتقدم لواضعي السياسات دافعا لتعديل الوضع الحالي.
وتقول صليبا: "ليس لدينا عدد سيارات يصل الى العدد الموجود في لوس انجلوس، لكنهم تمكنوا هناك من الحد من الانبعاثات وخفض مستويات التلوث". وتضيف: "نحن بلد صغير، وإذا كان الآخرون قادرون على احتواء مستويات التلوث لديهم، فينبغي علينا أن نكون قادرين على القيام بذلك هنا".