#adsense

فرض خيارين على البلاد: إما التعطيل وإما الفراغ

حجم الخط

فريق 8 آذار وضع خطة المواجهة منذ فازت 14 آذار بالأكثرية
فرض خيارين على البلاد: إما التعطيل وإما الفراغ

من المعروف ان الدول ذات النظام الديموقراطي عندما تواجه أزمة يصعب عليها حلّها تلجأ الى حلّ مجلس النواب واجراء انتخابات نيابية مبكّرة ليقول الشعب فيها كلمته باعطاء صوته إما لهذا الخط السياسي أو ذاك، والفائز بأكثرية المقاعد النيابية يحكم وحده أو بالائتلاف مع حزب أو أحزاب أخرى بعد الاتفاق على برنامج عمل واحد.

واللبنانيون الذين اعتادوا هذا النمط الديموقراطي في حياتهم السياسية ظنوا ان الانتخابات النيابية عام 2009 سوف تُخرج نتائجها لبنان من الوضع الشاذ الذي يعيشه منذ سنوات، وان انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة يترجمان نتائج تلك الانتخابات بحيث يوضع لبنان على الطريق الصحيح فيسود الأمن والاستقرار فيه.

لكن ما حصل كان خلاف ذلك، فلا نتائج الانتخابات النيابية كان لها دورها في انتخاب رئيس الجمهورية، ولا عند تشكيل الحكومة، لأن قوى 8 آذار التي فازت بأقلية المقاعد النيابية خطّطت لما بعد هذه النتائج، فاستطاعت ان تفرض رأيها على الأكثرية وان تتحكم بقراراتها ومواقفها، تحت طائلة التهديد بإحداث فراغ من كل مؤسسات الدولة وشلّ أعمالها، لا لكونها مسلّحة فحسب، بل لأن الطائفة الشيعية بصورة خاصة تملك حق "الفيتو" ضدّ أي قرار لا يعجبها، واستطاعت الأقلية الخاسرة في الانتخابات أن تساوي نفسها بالأكثرية الرابحة وتصرّ على ان تحكم معها والا كان الفراغ الذي يُدخل البلاد في المجهول، فكان للأقلية التي تمثّلها قوى 8 آذار ما أرادت، فحالت دون تمكين الأكثرية من انتخاب رئيس للجمهورية منها، ومن تشكيل حكومة. مما جعل أوساط سياسية مراقبة تتساءل: أي ديموقراطية هذه بانتخابات لا تفرز أكثرية وأقلية كي يتناوب حزبان قويان على الحكم أو تتم اتفاقات بين الحزبين على أمور أساسية يلتزمانها إذا ما قرّرا المشاركة في الحكم، لأن الاحزاب الكبرى هي الأقدر على الاصلاحات المطلوبة بينما الاحزاب الصغرى أو الأقلية غالباً ما تكتفي بوجود منبر لكلامها فقط، أو تجيّر موقفها للأحزاب الكبرى أو تعطل دور هذه الاحزاب وتتحكم في صنع المشهد السياسي وفي اتخاذ قرارات مهمة.

وترى الأوساط نفسها أن بقاء لبنان يتخبط في الأزمات، ولا تخرجه منها لا الانتخابات الرئاسية ولا الانتخابات النيابية ولا تشكيل الحكومات هو ما توقّعه الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله بقوله في احتفال المولد النبوي (7 حزيران 2009) "ان الانتخابات النيابية المقبلة هي محطة مهمة وفرصة للمعارضة للحصول على الأكثرية النيابية بينما هي اليوم تملك الأكثرية الشعبية مع ترجيح خسارة 14 آذار أكثر من خسارة المعارضة التي حتى وان خسرت فإنها لن تخسر شيئاً وستبقى في مكانها"…

هذا الكلام للسيد نصر الله حينذاك صارت ترجمته بعد فوز قوى 14 آذار بالأكثرية النيابية في انتخابات حزيران 2009، فتأكد عندئذ قول السيد نصر الله: "ان خسرت المعارضة الانتخابات فلن تخسر"… اذ اعتبر ان الانتخابات ليست بعنوان الحسم المصيري كما صورتها قوى 14 آذار، ومن أجل العبور الى الدولة، انما وضعها في سياق حدث عادي لا تتوقف عنده الحياة، تطميناً منه لثبات موقع المعارضة بشكل عام والمقاومة بشكل خاص، وان الانتخابات أيّاً كانت نتائجها لن تؤثر بحسب رأيه على التموضع الاستراتيجي للبنان ولا على موقع المقاومة في المعادلة الداخلية وحتى في معادلة الصراع في المنطقة، ولا الإخلال بالركيزة التوافقية التي تشكل الأساس للنظام السياسي في لبنان.

وقد صحّ ما توقعه الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله، فقوى 8 آذار خسرت الانتخابات لكنها لم تخسر موقفها ولا مواقعها، ولا المقاومة فقدت قوة وجودها، لأنها استطاعت ان تحول دون انتخاب رئيس للجمهورية من الأكثرية وذلك باعتماد خطة تعطيل النصاب والتخويف من حدوث فراغ طويل الأجل، كما استطاعت ان تفرض تشكيل حكومة باسم "الوحدة الوطنية" وبدعم قوي من سوريا التي أكدت بلسان وزير الخارجية وليد المعلّم: "ان الحكومة المطلوبة في لبنان هي حكومة وحدة وطنية" اياً تكن نتائج الانتخابات، ويقول الرئيس الأسد ان حكومة كهذه ضمان لعدم تسييس المحكمة الدولية الخاصة بلبنان"، وهكذا كانت، واصبحت قوى 14 آذار التي تمثّل الأكثرية النيابية بين خيارين: إما مواجهة الفراغ في تشكيل الحكومة ان لم تكن حكومة وحدة وطنية كالفراغ الذي تعرضت له الانتخابات الرئاسية مدّة ستة أشهر، وإما التعطيل بوجود الثلث داخل الحكومة، فاختارت الأكثرية أهون الشرّين، أي خطر التعطيل، لأنه أقل ضرراً وسوءاً من الفراغ الذي قد يدخل البلاد في المجهول.

وها أن الحكومة الحالية، كونها حكومة ما يسمى "وحدة وطنية"، تمارس الأقلية الوزارية فيها لعبة التعطيل لكل قرار لا يعجبها أو لا يعجب سوريا، فتعطلت حتى الآن حركة التشكيلات والتعيينات في الأسلاك الادارية والأمنية والعسكرية والديبلوماسية، وتعطل اتخاذ قرار في موضوع الاستراتيحية الدفاعية بعدم التوصل الى تحديد دور سلاح "حزب الله"، هل يبقى بإمرة الحزب او يوضع في تصرف الجيش اللبناني، وتعطل اقرار المشاريع الاصلاحية التي التزم لبنان اقرارها عند حصوله على المساعدات في مؤتمر باريس 3، وتعطل أيضاً تنفيذ القرار الذي اتخذ بالاجماع في هيئة الحوار الوطني بازالة السلاح الفلسطيني خارج المخيمات، وها ان التعطيل الأخطر يتناول حالياً جلسات مجلس الوزراء بسبب الخلاف على موضوع شهود الزور، كما تناول التعطيل سابقاً جلسات مجلس النواب، فأدى الى اقفال أبوابه كي لا يطرح عليه مشروع النظام الأساسي للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان. واذا كان الوزراء المعترضون في الماضي انسحبوا من الحكومة لتصبح غير شرعية وغير ميثاقية، فقد لا يكون لهم الحق في ذلك الآن عملاً باتفاق الدوحة، وهذا الوضع يُدخل الدولة ومؤسساتها في حالة شلل هو أشبه بالفراغ المفتوح على شتّى الاحتمالات، في حين ان النظام الديموقراطي الذي كان يطبّق في الماضي كان يفرض على الوزير او على الوزراء الذين يرفضون الرضوخ لقرار الأكثرية الاستقالة فيتم عندئذ تعيين بدائل عنهم او تستقيل الحكومة برمتها لينتقل البحث إلى تشكيل حكومة جديدة تكون أكثر تجانساً وانسجاماً بين اعضائها، وما يحصل الآن توقع حصوله وزراء؟ منهم: بطرس حرب وجان اوغسبيان وحسن منيمنة.

والسؤال المطروح الآن هو: الى متى سيظل لبنان يعيش وضعاً شاذاً لا تحكمه قوانين ولا انظمة ولا دساتير؟ والى متى تظل حكومة ما يسمى "وحدة وطنية" لا تعيش شيئاً منها؟ والى متى يظل عهد الرئيس سليمان تتآكله التجاذبات السياسية والصراعات الإقليمية والدولية وتجمد انطلاقه ليكون "عهد الناس"؟ والى متى تظل هذه الحكومة تملك ولا تحكم الا اذا حكمتها الأقلية وتحكمت بقراراتها؟ وهذا يثبت مرّة أخرى ان لبنان لن ينعم بالأمن والاستقرار ما لم يعد الى ممارسة النظام الديموقراطي الذي يقول فيه الشعب رأيه في الانتخابات كلما دعي الى قوله، وللتوقف عن تطبيق بدعة ما يسمى زوراً "النظام التوافقي" الذي لا رأي للشعب فيه ولا حتى لممثليه الحقيقيين، وبعدما ثبت ان أي أكثرية لا تستطيع ان تحكم في ظلّ تحالفات مذهبية وبالتالي مسلّحة….

المصدر:
النهار

خبر عاجل