… وكأنه مكتوب على لبنان الدوران في حلقة سياسية – جهنمية مفرغة من أي محتوى وطني والدليل هذه المرة تحديداً عودة المعارضة الى الضرب على وتر "حكومة السنيورة غير الشرعية" التي أقرت الخوض في ملف المحكمة الدولية، لاسيما ان معظم من يأخذ هذا المنحى التهويلي تأكد له بشكل قاطع ان من كان يقال عنها أنها حكومة غير شرعية قد عاد وأقر البيان الوزاري للحكومة الخلف برئاسة سعد الحريري، إلا اذا كان المقصود "التعمية على بعض مراحل الأزمة السياسية – الأمنية التي أوصلت السلطة الى العمل باتفاق الدوحة من غير ان يستوعب من انساق وراء الاتفاق المشار إليه ان القصد السياسي من اللعبة انذاك إسقاط الدستور والقوانين لحساب إحلال اجتهادات أخذت بذريعة "فرض الرأي بقوة السلاح"؟
يقول حزب الله في هذه الآونة الدقيقة والصعبة، ان "ملف الشهود الزور في ملعب الرئيس الحريري" ربما لعلم من لم يعلم الى الآن ان محاولات التخلص من المحكمة الدولية لن تجدي نفعاً، طالما ان "عدم إحقاق العدالة هو ما يزعزع الأمن والاستقرار" وليس العكس بحسب إجماع الخائفين من القرار المرتقب صدوره عن المحكمة الجنائية الخاصة بلبنان، خصوصاً ان من يدعي الخوف مسبقاً من تداعيات القرار الجنائي الدولي ان همه محصور بفرض شروطه للاستمرار في مقاطعة مجلس الوزراء… وفي مقاطعة جلسات الحوار، ثم يأتي من يتحدث عن شرط توحد اللبنانيين بالنسبة الى ما هو منتظر، من غير ان يسألوا أنفسهم "كيف وافقوا على البيان الوزاري"!
والسؤال المطروح على مدار الساعة والأيام "ما هو مفهوم المعارضة للحكومة الشرعية قبل ان تحدد ماهية مآخذها السياسية وقبل البحث في الشروط التقليدية التي تعني كل شيء باستثناء "احقاق العدالة من دون المس بالأمن والاستقرار"؟
وجديد – قديم منحى قوى 8 آذار تذكير اللبنانيين، بحسب المؤتمر الصحافي لرئيس كتلة الوفاء للمقاومة، بأن من الأفضل لهم… والأسلم عاقبة القبول بما تقترحه المعارضة وعدم الانسياق وراء خطأ المحكمة، حيث تكررت عبارة "ما يمنع اللبنانيين من التوحد" كما تكررت عبارة "الإجماع اللبناني" حيث التوحيد ممنوع ومثله الإجماع، أقله لأن حصيلة الانتخابات النيابية الأخيرة دلت بوضوح على ان الذين في خط المعارضة أقل ممن هم في خط قوى 14 آذار. وهذا بدوره مؤشر سياسي – شعبي يستحيل على أحد تجاهله مهما اخترع من "معادلات مسلحة" فضلاً عن طرح معادلات التخوين والتخويف التي سقطت على اعتاب الحليف ميشال عون الذي طار صوابه جراء افتضاح أمر "الخيانة الوطنية لمنظره السياسي والعسكري العميد فايز كرم"؟!
وفي المقابل، لا بد من تذكير الساعين وراء فرض معادلات أخرى، لجهة التعرض لصدقية قوى الأمن الداخلي قيادة وضباطاً وعناصر حتى وهم يعرفون كيف حصل التصدي لقوافل من العملاء من مختلف الأطياف والمناطق والألوان السياسية والمذهبية. وثم من يجزم بهذا الصدد بأن الحملة على قوى الأمن تهدف الى الوصول الى الكثير من الملفات والأسرار التي كشفها جهاز المعلومات، على أمل تعزيز عوامل التشكيك في صدقية المحكمة الدولية وكأن جل اهتمام المعارضة منصب على زرع بذور الفتنة (…) والقول مسبقاً ان من "الأفضل الابتعاد عن محاذير ملفات العملاء، ربما "لعدم اغضاب العدو الإسرائيلي" او للقول ان من الأسلم عاقبة ترك "رعاع بعض الأحزاب والتنظيمات على تواصل مع العدو للإفادة من عمالتهم المزدوجة؟!
صحيح ان البلد يخوض غمار "معارك الوقت السياسي الضائع". لكن هناك من يرى ان من الأفضل دائماً انتظار الأسوأ من قوى المعارضة التي لم تقدم يوماً سوى التعقيد. أما الأصح فلا يعدو كونه دوران في حلقة مفرغة المقصود منها نيل براءة ذمة من جهات داخلية غير قادرة على تأمينها لمن يطلبها مهما طال زمن التعقيد واختراع وسائل تحدي الآخرين على أمل بقاء البلد في دوامة التخويف والتخوين والتحدي وهي في معظمها لا تقدم حلاً وطنياً ناجعاً ولا تحقق العدالة طالما أنها في نظر البعض "تزعزع الأمن والاستقرار"!