#adsense

مَن المستهدف من الحملة على رموز الأمن والقضاء والإدارة؟

حجم الخط

هل ثمة من يريد استجلاب فتنة في أوساط الطائفة السنية؟ بل الإيقاع بين السُنة والطوائف الأخرى؟
السؤال كبير، لكن له مبرراته. فاستناداً الى مسلسل الأحداث الذي يضرب البلد منذ مطلع سنوات، مروراً بالضجيج والصخب السياسي الذي يتقدم على كل ما عداه من قضايا الوطن، ومع انكفاء لغة الحوار امام لغة الشتائم والتهديد، واستعار معركة السعي للانقلاب على كل مفاهيم الدولة والمؤسسات والأمن والقضاء، كل ذلك يوحي بأن ثمة من يخطط لضرب الطائفة السنية من خلال استنزافها في المماحكات أو الكيديات السياسية أو تصويرها في موقع الفساد أو التطرف أو الارتهان.

ثمة إحساس يضاهي القناعة رسوخاً لدى أهل السنّة في لبنان، أي عند النخبة التي تعكس مزاج هذه الطائفة، بالاستهداف والابتزاز والاستنزاف، جراء ما نالهم ولا يزالون يتعرضون له، من اغتيالات واستهدافات واعتقالات وتوقيفات تبدأ ولا تنتهي. وفي أحاديث هؤلاء، أي النخبة التي تعكس المزاج السني، قناعة موازية للشعور بالاستهداف بأن الارباكات المتتالية في ساحتهم انما هي بأفق دفعهم الى التخلي عن دورهم التاريخي في حفظ التوازن الوطني وصون الصيغة اللبنانية وعيشها الواحد.

في تقدير هؤلاء أن هذه الحملة، التي بدأت بـ "التجرؤ" على رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري، ومن قبله على الرئيس فؤاد السنيورة ولم توفر المقامات الدينية وصولاً إلى قيادات أمنية وقضائية وإدارية عليا، وتتولاها جوقة متعددة الوجوه والوظائف والمواقع يجمع بينها أنها تترجم رغبة "مايسترو" واحد، إذن، برأي الأوساط الوازنة، ليست بريئة وغير منفصلة عن جملة أمور تتصل بالسياق السياسي الراهن في لبنان وباستحقاقات مقبلة، وقد عهد "المايسترو" إلى "أدواته" بتنفيذها، تارة بالتطاول والتهجم، وحيناً بالتخوين والتحريض، وحيناً آخر بالتهديد والتشهير، أو الاستهداف والاتهام. وفي التقدير أيضاً أنها تهدف الى أحد أمرين: دفع أهل السنّة الى "التَمَليُش" بديلاً من الدولة، وثانياً، التحريض على الزعامة السنية الوطنية المتمثلة بالرئيس الحريري، بما ومن يمثل.

وثمة تقدير مشترك لدى أوساط سنية وازنة، أن الحملة المركزة التي تستهدف موقع ودور الطائفة السنية من خلال استهداف رموزها السياسية والقضائية والأمنية والإدارية، إنما تتذرع دعاوى باطلة أو واهية، لتحجب حقيقة أهدافها الحقيقة المتصلة بمساعي التعطيل أو التشويه، ومن وراءه الانتقام من المرجعية في موقعها ودورها وصلاحياتها، دون إغفال تزامن هذه الحملة مع استحقاق صدور القرار الظني عن مدعي عام المحكمة الدولية الذي سيشكل محطة فاصلة في مجريات الأحداث الداخلية والاقليمية.

فللمصادفة، باتت كل المواقع العليا التي يشغلها مسلمون سنة في إدارات الدولة ومؤسساتها عرضة للاستهداف أو الاستقواء، فنجد أن وزيرة المال ريا الحسن، ومدعي عام التمييز سعيد ميرزا، والمدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي، والأمين العام لمجلس الوزراء سهيل بوجي، ورئيس شعية المعلومات العقيد وسام الحسن، ورئيس مجلس إدارة طيران الشرق الأوسط محمد الحوت، والمدير العام لـ "أوجيرو" عبد المنعم يوسف، والمدير العام للطيران المدني حمدي شوق وآخرين غيرهم، للمصادفة، لا أكثر باتوا، وفق توصيفات جوقة المحترمين، علة الفساد والنهب والعمالة ومطلوب إقالتهم ومحاسبتهم!

هكذا من قراءة الأسماء السالفة، يُقرأ التشويق الدرامي الطويل في المؤتمرات الصحافية الموتورة، وفي ديماغوجيا اجتزاء الوقائع، وفي ممارسات بعض الوزراء العباقرة، وفيما يفوح من إطلالات السفهاء على بعض الشاشات وفي بعض التقارير، عندما يجري التعامل مع الأحداث الكبرى بخفّة وتبسيط، أو عندما تصبح التخيلات والهلوسات وشهوة التسلط وعقلية الميليشيا، ذرائع يتم توسلها لاستجرار الفتن وردود الفعل الغرائزية والمصالح النفعية المتلونة، وعندما تصبح ممارسة الدونيّة مدعاة للتميز..

وتأسيساً على السياقات المذكورة، فلا غرابة أن تنبري الوجوه "إياها" للمشاركة في حملة التجريح والتطاول وتشويه التاريخ، متذرعة ادعاء الحرص المزيف على المال العام مثلاً، أو بدعاوى مردودة عن الحس الوطني والنزاهة والاستقامة، على أنه يبقى لكل موضوع تفصيلات أخرى.

وتأسيساً عليه أيضاً، أن يقال إن ثمة استنفاراً سنياًً متوتراً، سياسياً ودينياً وشعبياً ضدّ هذه الحملة فذلك ليس اكتشافاً. هو لتسجيل واقع وحقيقة. فما يحصل استدراج لفتنة هي ليست احتمالاً بل حصلت بالفعل والبلد بات في قلب تداعياتها وباتت مفتوحة على كل احتمال. ولا يكفي هنا، أن يقول "طرف ما" أن لا فتنة حاصلة، كي يكون قولُه صحيحاً. ولا يستطيع ان يقرّر هذا الطرف مهما تمتع بفائض قوة ما يشاء وأن يفعل ما يشاء وألا يتوقع نتائج لكل ذلك، في وقت لم يتجاوز المزاج السني بعد خطيئة استخدام السلاح واستهداف السنّة في بيروت والشمال والبقاع.

في الخلاصة، تخلص الأوساط السنية البارزة إلى الآتي:
أولاً: ان المسلمين السنة في لبنان يشعرون ان هذه الحملات باتت تستهدفهم في وجودهم ودورهم وكرامتهم، وهم يعلنون أنه قد نالهم من الضّيم ما يكفي، ومن الصبر ما لم يعد يُحتمل..في حين أنهم لم ينسوا ما لحقهم جراء جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وما يجري من مساع لطمس الجريمة والتعمية على مرتكبها.

ثانياً: أنهم يذكرون، بأن الذين اغتيلوا ويجري الضغط لنسيانهم، قد ارتُكبت في حقّهم وحقّ لبنان جرائم سياسية ووطنية موصوفة، هدّدت الوطن والحياة السياسية والحريات وأمن الناس، ولن تنتهي تلك الجرائم التي بدأت في مطلع الخمسينات باغتيال الرئيس رياض الصلح إلا إذا انكشف مرتكبوها، والجهات التي تقف وراءهم، فكما استُهدف المغتالون بأشخاصهم، استُهدفت بهم ومعهم فئة أو فئات كبيرة من المواطنين اللبنانيين في شرفها ودورها وموقعها في الكيان والتجربة الوطنية العريقة وفي العيش المشترك المحترم، والميثاق الوطني الجامع، وفي المحيط الإقليمي كله. ولو استعرضنا وقائع السنوات الماضية في الإعلام، لشهدنا ذلك الاستهداف حاضراً وفاقعاً.

ثالثاً: إن هذا الكلام ينطبق أيضاً على المستهدفين في القضاء والأمن والإدارة من القيادات السنية، فما يجب أن يفهمه الآخرون هو أن استهداف هؤلاء بأشخاصهم، إنما يستهدف بهم ومعهم ثلث الشعب اللبناني في دوره وشرفه وموقعه. فكيف والحال أنهم الأكفأ والأكثر التزاماً بموجبات الانتماء الوطني والحس الوظيفي، فيما مستهدفوهم، الأكفأ على مستوى نهب المال العام أو الارتهان والتقلب.

رابعاً: إن التعالي الذي تمارسه القيادة السنية العليا، كجزء من ثقافتها الدولتية أو إرثها الميثاقي، اي تمثيل الشأن العام بما هو استيعاب للآخرين وتجاوز الاساءات، بات عبئاً ثقيلاً على الجمهور السني الذي بات يشعر بأنه يدفع ثمن ما يجري مرتين.

خامساً: إن التأزم السياسي والتوتير الأمني وغياب المعالجات وفقدان الأفق، تحديات مصيرية ولا يمكن الصبر عليها، واستنزاف الوقت والطاقات والأرواح والامكانات في غير المكان المناسب في مكابدتها لأنها غالباً ما تنتهي إما بكوارث، للمسلمين السنّة، أو بحلول مؤقتة على حسابهم أيضاً فيما أصل المشكلة يظل جاهزاً للانفجار

سادساً: ما يلفت الانتباه كثيراً، هو أن يبلع كثيرون، كثيرون جداً، ألسنتهم عما يجري ممن يفترض أنهم خارج الاستقطاب القائم، أو ممن وصلوا إلى حيث هم بفضل من يشتموهم اليوم، وهذا يحيل إلى بحث لاحق.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل