#dfp #adsense

التسوية تتطلّب تخلّي “حزب الله” عن شروطه التعجيزية

حجم الخط

قرار عربي – دولي: إسقاط لبنان خط أحمر
التسوية تتطلّب تخلّي "حزب الله" عن شروطه التعجيزية

"مسؤول عربي كبير زار باريس حديثاً أفاد أن الدول العربية والأجنبية الحريصة على مصير لبنان توصلت خلال مشاوراتها وفي ضوء المعلومات الواردة اليها من عواصم عدة، الى اقتناع مشترك يتركز على ثلاثة أمور أساسية هي الآتية:

أولاً – ان فشل استراتيجية المواجهة الضاغطة السياسية – الاعلامية – النفسية التي اعتمدها "حزب الله" وحلفاؤه في تعاملهم مع رئيس الحكومة سعد الحريري والاستقلاليين لارغامهم على قبول تسوية تتضمن التخلي عن المحكمة الخاصة بلبنان ومنع صدور القرار الظني أو رفض مضمونه سلفاً، يضع النظامين السوري والايراني أمام خيارات صعبة ويدفعهما الى اعادة النظر في حساباتهما.

ثانياً – ان القيادتين السورية والايرانية دعمتا استراتيجية المواجهة هذه ولذلك لم تتمكنا من الاضطلاع بالدور الايجابي المطلوب عربياً ودولياً والقاضي بدفع "حزب الله" الى التراجع عن مواقفه التصعيدية وتشجيعه على اعتماد الواقعية والمرونة والتصرف بمسؤولية والتخلي تالياً عن المطالبة بوقف عمل المحكمة وانتظار صدور القرار الظني والرد عليه بالوسائل القانونية المشروعة واعادة احياء حكومة الوحدة الوطنية وهيئة الحوار الوطني لمعالجة القضايا العالقة والاهتمام بالمشاكل الحيوية للبنانيين.

ثالثاً – الاصرار على مواصلة معركة اسقاط المحكمة المتمتعة بحماية وحصانة دوليتين وبدعم داخلي وخارجي واسع النطاق، سواء من خلال شل الحياة السياسية أو تفجير الأوضاع الأمنية، لن يحقق أي نتائج بل يزيد حجم الأخطار الداخلية والخارجية ويقود الى طريق مسدود وينعكس سلباً على "حزب الله" واللبنانيين وعلى سوريا وايران. والأمور لم تصل الى نقطة اللاعودة بل ان التفاهم على صيغة تسوية تضمن العدالة والاستقرار معاً وارد وقابل للتحقيق وهو ما تسعى اليه الدول البارزة المعنية بمصير لبنان. لكن نجاح هذه المساعي يفترض تنازل "حزب الله" عن مطالبه القصوى والتوقف عن فرض شروط تعجيزية على الحريري والاستقلاليين وعن تهديد اللبنانيين وعن جعل لبنان في حال مواجهة مع مجلس الأمن والمجتمع الدولي عموماً".

هذا ما أدلت به الينا مصادر ديبلوماسية أوروبية وثيقة الاطلاع في باريس وأوضحت ان النظامين السوري والايراني يريدان انقاذ "حزب الله" وحمايته من أي هزيمة سياسية يمكن أن تلحق به نتيجة معركته مع المحكمة وتضعف مواقفهما أو تشكل احراجاً لهما، لكن هذين النظامين لم يتمكنا من وضع خطة متكاملة واضحة المعالم للتعامل مع تداعيات القرار الظني بعد صدوره، وهما يواجهان معطيات صعبة للأسباب الستة الآتية:
أولاً – فشل النظامين السوري والايراني في تأمين أي نوع من التأييد أو الدعم السياسي والديبلوماسي العربي والاقليمي والدولي لمواقف "حزب الله" وتوجهاته، سواء منها ما يتعلق بضرورة وقف عمل المحكمة الخاصة بلبنان بدعوى انها "مسيسة" وناتجة من "مؤامرة أميركية – اسرائيلية على المقاومة" كما يقول الحزب، أو ما يتعلق بضرورة منع صدور القرار الظني لأن ذلك وحده يحقق الأمن والاستقرار في لبنان، أو ما يتعلق بضرورة اعطاء الأولوية لقضية شهود الزور والامتناع عن اصدار أي قرار ظني قبل معالجة هذه القضية أمام المجلس العدلي، أو ما يتعلق بأسلوب التعامل مع الحريري والاستقلاليين المتمسكين بتحقيق العدالة. فلم تؤيد أي دولة باستثناء سوريا وايران مواقف "حزب الله" هذه وتوجهاته.

مواقف تركية وقطرية مفاجئة لدمشق

ثانيا – ترفض الدول المعنية بالأمر باستثناء سوريا وايران أن يقرر "حزب الله" مصير لبنان من خلال تلويحه المستمر بالرد بقوة أو بتفجير الأوضاع اذا اتهم القرار الظني بعض عناصره بالتورط في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه أو في جرائم أخرى، ولو استند هذا القرار الى أدلة وقرائن قوية وصلبة. كما ترفض هذه الدول أن يدفع اللبنانيون ثمن ضلوع أشخاص معينين الى أي فريق انتموا في هذه الجرائم، ذلك ان تحويل قضية جنائية – ارهابية ذات طابع قانوني حرب شوارع ومواجهات دامية يجري توريط الجيش وقوى الأمن فيها مجازفة بالغة الخطورة تدفع لبنان نحو المجهول وقد تفجر حرباً لبنانية – اسرائيلية – اقليمية تهدد الأمن والسلم الاقليميين والدوليين. وستواجه الدول البارزة والمؤثرة بحزم مثل هذا التطور الخطر، وهي تملك خيارات وامكانات عدة.

ثالثاً – فوجئ المسؤولون السوريون والايرانيون بمواقف أقرب دولتين اليهم وهما تركيا وقطر، اذ ان المسؤولين الأتراك والقطريين رفضوا تبني أو دعم مواقف "حزب الله" المتعلقة بالمحكمة كما رفضوا اعطاء شرعية لأي عمل مسلح يمكن أن يقوم به الحزب وحلفاؤه رداً على صدور القرار الظني. فقد أعلنت تركيا تمسكها بتحقيق العدالة ودعمها عمل المحكمة الخاصة، سواء من خلال تصريحات وزير خارجيتها أحمد داود أوغلو ومسؤولين آخرين أو من خلال رفض رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان التدخل في عمل المحكمة وامتناعه عن توجيه الاتهام الى أي فريق ومطالبته في مقابلة صحافية بانتظار صدور القرار الظني للحكم عليه "اذ ان المدعي العام الدولي لم ينشر بعد الوثائق التي اعتمد عليها أو سيعتمد عليها" في توجيهه اتهاماته "ولم يطلع الرأي العام على رأيه" في هذه القضية، على حد قول أردوغان. وقالت لنا مصادر ديبلوماسية أوروبية مطلعة "ان أردوغان تلقى تأكيدات من الأمين العام للأمم المتحدة بان كي – مون ان القرار الظني سيوجه اتهاماته الى أشخاص معينين استناداً الى أدلة وقرائن صلبة وقوية، وان المسؤولين الأتراك أبلغوا قيادة "حزب الله" وقيادات لبنانية أخرى انهم يرفضون كلياً استخدام العنف والسلاح لمواجهة القرار الظني وحذروا من العواقب الخطرة والمدمرة الناتجة من تفجير الأوضاع في الساحة اللبنانية. وشدد المسؤولون الأتراك في اتصالاتهم مع القيادات اللبنانية على ضرورة التعامل مع القرار الظني بالوسائل القانونية المشروعة وتسوية الخلافات من طريق الحوار والتفاهم داخل الحكومة ومؤسسات الدولة". واستناداً الى هذه المصادر، لمّح المسؤولون الأتراك في اتصالاتهم مع جهات أوروبية الى "وجود خلافات في الرأي مع نظام الرئيس بشار الأسد على المحكمة والموقف السوري المتشدد من الحريري" واشاروا الى أن أردوغان يحاول التوسط بين الأسد والحريري، لكن السوريين ليسوا متحمسين لمثل هذه الوساطة بل يريدون من رئيس الحكومة اللبنانية أن ينفذ مطالب معينة. اضف ان أردوغان يحرص على اقامة علاقات قوية ومستمرة مع لبنان ويتعامل معه على أنه دولة مستقلة، الامر الذي يثير انزعاج دمشق على رغم ان رئيس الحكومة التركية حريص في الوقت عينه على الاحتفاظ بعلاقات متينة مع سوريا.

رابعاً – أكد المسؤولون القطريون في اتصالاتهم ومحادثاتهم مع قيادات "حزب الله" ومع قيادات لبنانية أخرى حرصهم الشديد على مواصلة التزام جميع الأفرقاء اتفاق الدوحة الذي يحظر استخدام العنف والسلاح في الصراع السياسي الداخلي لأي سبب، ونصحوا بالتعامل بحكمة وواقعية مع المحكمة وقراراتها، وأعلنوا رفضهم أي محاولة لتفجير الأوضاع في لبنان رداً على صدور القرار الظني وطالبوا بالتعامل مع مضمون هذا القرار بالوسائل القانونية. واستنادا الى المصادر الأوروبية المطلعة، حذر المسؤولون القطريون قيادة "حزب الله" من مخاطر شل عمل حكومة الوحدة الوطنية ومؤسسات الدولة ومواصلة المواجهة مع الحريري وحلفائه وشددوا على انهم لن يتمكنوا من الدفاع عن الحزب اذا أسقط التهدئة الأمنية والسياسية.

خامساً – بات المسؤولون السوريون على اقتناع بأن السعودية ترفض التوصل معهم الى أي اتفاق يتضمن المطالبة بوقف عمل المحكمة ومنع صدور القرار الظني، لأن ذلك يتناقض وموقف المملكة الداعم عمل المحكمة والمتمسك بضرورة تحقيق العدالة ووقف نهج الاغتيالات السياسية والمؤيد التعامل مع القرار الظني بعد صدوره بالوسائل القانونية والسياسية والسلمية.

سادساً – يرى المسؤول العربي الكبير الذي زار باريس حديثا ان المحور السوري – الايراني ليس قادراً فعلاً على تغيير المعادلات وموازين القوى لمصلحته في لبنان من خلال استخدام العنف والسلاح، وليس قادراً على فرض أمر واقع جديد في هذا البلد يتمثل في سيطرة "حزب الله" وحلفائه على الدولة ومؤسساتها وتوليهم الحكم وتقليص نفوذ الاستقلاليين والقضاء على الدور التوافقي للرئيس ميشال سليمان ومنع المحكمة من مواصلة مهمتها ثم ضم البلد الى محور المتشددين.

ضمن هذا السياق لاحظ ديبلوماسي أوروبي مطلع ان "القول ان "حزب الله" يستطيع حسم المعركة عسكرياً لمصلحته والسيطرة على لبنان مع حلفائه خلال أيام يدخل في اطار السيناريوات الخيالية التي تتجاوز حقائق ووقائع داخلية واقليمية ودولية وتتجاهل وجود دولة ومؤسساتها ووجود جيش وطني وقوى امن مستعدة لمواجهة أي عمل مسلح، كما تتجاهل وجود غالبية واسعة من اللبنانيين المتمسكين بالعدالة والرافضين أي مخطط انقلابي ينفذه الحزب، وتتجاهل كذلك وجود خطط اسرائيلية عسكرية جاهزة للانقضاض على لبنان وسوريا في الوقت الذي تراه الدولة العبرية ملائماً لها".

الحسابات السورية والايرانية

هذه العوامل والمعطيات تظهر ان المحور السوري – الايراني ليس قادراً على التصرف بلبنان والمحكمة والقرار الظني كما يريد.
فالقيادة السورية تدرك جيداً، استناداً الى الرسائل المتعددة التي تلقتها، ان الدول البارزة، وفي مقدمها أميركا وفرنسا والدول العربية المعنية بالأمر، تريد وتتوقع منها أن تلجم حلفاءها وتضبطهم وتمنع تنفيذ أي خطة لتفجير الأوضاع في لبنان على نطاق واسع رداُ على صدور القرار الظني، كما تدرك تماماً ان هذه الدول ستحملها مسؤولية تصرفات حلفائها الخطرة مما ستكون له عواقب وانعكاسات سلبية تلحق أضراراً بسوريا. ويعلم نظام الأسد ان أي تفجير للأوضاع سيؤدي الى سقوط صيغة المشاركة الوطنية في الحكم بين الأفرقاء اللبنانيين ويعرض البلد لأخطار كبيرة وسيشكل انتهاكاً للتفاهم السعودي – السوري القائم على ركيزتين أساسيتين هما ضرورة الحفاظ على التهدئة الأمنية والاستقرار وعلى وجود حكومة وحدة وطنية. وتوتر العلاقات مع السعودية ومع دول بارزة عدة مجدداً لن يخدم مصلحة سوريا ولن يعزز مواقعها، كما ان تفجير الأوضاع في لبنان على نطاق واسع قد يؤدي الى تدخل عسكري اسرائيلي وتعرض مواقع وأهداف ومنشآت لبنانية وسورية لهجمات اسرائيلية مدمرة. اضافة الى ذلك كله، سيكون النظام السوري في حال مواجهة مع مجلس الأمن ومع دول بارزة عدة اذا امتنع عن ضبط النشاطات المسلحة لحلفائه وأمن تالياً نوعاً من التغطية لعملية تهديد الاستقرار والسلم الأهلي في لبنان.

بالنسبة الى الموقف الايراني، يعدّ لبنان البلد الوحيد في العالم الذي تملك فيه ايران تنظيماً سياسياً شعبياً عسكرياً قوياً هو "حزب الله" يقود الطائفة الشيعية وله حلفاء من طوائف أخرى ويتمتع بنفوذ سياسي وشعبي مهم. وتريد ايران من خلال مساندتها "حزب الله" تقوية دورها في الساحة اللبنانية وتعزيز نفوذ الطائفة الشيعية وسلطاتها والحفاظ على القدرات العسكرية الكبيرة للحزب للاستعانة بها في أي نزاع مع اسرائيل وخصوصاً للرد على هجمات اسرائيلية محتملة على المنشآت النووية والحيوية الايرانية. وتدرك القيادة الايرانية، في ضوء معلوماتها وتقويمها لمسار الأوضاع، أن "حزب الله" ليس قادراً على أن يحكم لبنان بالقوة المسلحة ويتصرف به كما يريد، ولذلك فان المصلحة الايرانية تقضي بمنع تورط الحزب في عملية عسكرية أو انقلابية واسعة النطاق رداً على صدور القرار الظني لأن ذلك يعرض الحزب لمخاطر كبيرة ويضعف قدرته على مساعدة الايرانيين في صراعهم مع اسرائيل ومع الدول الكبرى الرافضة امتلاك الجمهورية الاسلامية السلاح النووي.

وكما قال لنا مسؤول عربي مطلع ان "الدول العربية والأجنبية البارزة تتصرف على أساس ان اسقاط لبنان كدولة ومؤسسات عسكرياً خط أحمر ليس مسموحاً لأي طرف داخلي أو اقليمي تجاوزه أو تجاهله. وتملك هذه الدول امكانات وخيارات عدة لاحباط أي خطط عسكرية كهذه يمكن أن يقوم بها حلفاء دمشق رداً على القرار الظني. والدول البارزة لم تستخدم القوة العسكرية لاخراج الجيش السوري من لبنان في نيسان 2005 بل انها استخدمت وسائل ضغط متنوعة لدفع نظام الأسد الى انهاء هيمنته على هذا البلد. وهي تضطلع بدور مؤثر لتأمين الحماية للبنان والمساعدة على تحقيق العدالة من دون ارسال قوات عسكرية الى هذا البلد".

المصدر:
النهار

خبر عاجل