عادت إلى لبنان سياسياً فلا داعي لأن تعود إليه عسكرياً
علاقة سوريا بحلفائها تُخِلّ بالعلاقة مع الدولة
توقف نائب من قوى 14 آذار عند قول نائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد: "ان العلاقات بين لبنان وسوريا لا يمكن ان تكون طبيعية اذا لم يكن الوضع في لبنان طبيعيا، وان سوريا تريد من جميع اللبنانيين ان يقفوا الى جانب بعضهم وان يكونوا شعبا واحدا لا شعوبا ممزقة من اجل مواجهة التحديات التي يتعرض لها لبنان، وان اكثر ما يزعج هو الجدل الدائر حول المحكمة الدولية وحول التحقيق في اغتيال الحريري. ونحن نريد للبنان ان يكون آمنا ومستقرا وجارا جيدا، ونحن لن نعود عسكريا الى لبنان مهما بلغت التطورات كما ان سوريا لن تتدخل في لبنان لمصلحة اي طرف على حساب آخر لتقديم تنازلات، فاللبنانيون مسؤولون عن وطنهم وعن بلدهم واصبحوا واعين".
علق النائب نفسه على هذا الكلام متسائلا: "لماذا تواجه العلاقات بين لبنان وسوريا في كل عهد حالة مد وجزر ولا تكون مستقرة، هل لبنان هو الذي يتدخل في شؤون سوريا ام ان سوريا هي التي تتدخل في شؤون لبنان؟ هل لبنان هو الذي يحكم سوريا ام سوريا هي التي تحكم لبنان سواء بصورة مباشرة او غير مباشرة؟ ومن الذي جعل اللبنانيين ينقسمون بين مناصر لها ومناهض؟ أليست سوريا هي التي اوجدت فريقا لها في لبنان تعتبره حليفا او صديقا يتوجه بتوجيهاتها وينفذ تعليماتها وهو ما يحول دون ان يكون شعبا واحدا وصفا واحدا في مواجهة شتى التحديات والاستحقاقات؟ عندما يكون اللبنانيون منقسمين على هذا النحو فلا يمكن ان تكون العلاقة بسوريا جيدة لان فريقا يكون معها او تابعا لها وفريقا خصما لها وهي تساند احدهما على الآخر. وهذا ما جعل الرئيس بشار الاسد يقول في حديث صحافي عام 2002: "لا علاقات لبنانية – سورية سليمة من دون علاقات لبنانية – لبنانية سليمة"، وأكد في هذا الحديث "ان سوريا هي على مسافة واحدة من الجميع كبلد وكدولة مستقلة وكمؤسسات دستورية ورسمية مع اهمية معالجة الخلل في الشأن اللبناني، لان هذا الخلل كثيرا ما ينعكس خللاً في العلاقات اللبنانية – السورية".
وتساءل ايضاً: هل كانت سوريا فعلاً على مسافة واحدة من جميع اللبنانيين ولم تكن مع فريق ضد آخر؟ وهل اقامت فعلا لا قولا علاقات من دولة الى دولة؟ واذا اقامت مثل هذه العلاقات فإنها ظلت تقيم علاقات من دولة الى احزاب وشخصيات، مدعية انها علاقات صداقة لا تتخلى عنها رغم انها تُخِلّ بالعلاقات من دولة الى دولة، خصوصا عندما ينبري بعض حلفائها بعد عودتهم من زيارتها باطلاق التصريحات النارية ضد اللبنانيين الآخرين وحتى ضد الدولة والسلطة الى حد مطالبة الرئيس سليمان بالاستقالة، ثم يعترف بعض مطلقيها بأنهم ارادوا تطويع رئيس الجمهورية وجعله يقف حيث يجب وليس على الحياد بل مع فريق 8 آذار، والا كان منحازا لفريق 14 آذار. أوليس الأجدى بسوريا ان تطلب من حلفائها في لبنان الوقوف مع عهد الرئيس سليمان وتسهيل عمل الحكومة والمؤسسات لا عرقلتها، خصوصا انها حكومة "وحدة وطنية" تتشارك فيها كل القوى السياسية الاساسية بمن فيهم اصدقاء سوريا؟ عندما تفعل سوريا ذلك فلا احد سيعتبرها متدخلة في شؤون لبنان، لان تدخل كل دولة شقيقة او صديقة لازالة العقبات والصعوبات من طريق الحكم هو تدخل ايجابي ومطلوب عند الضرورة، اما التدخل السلبي فمرفوض عندما يحض على العرقلة ويشجع على وضع العصي في الدواليب.
واذا كان نائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد يؤكّد "ان سوريا لن تعود عسكريا الى لبنان مهما بلغت الاوضاع فيه"، فإنه كان يتمنى ان يقول ان سوريا مستعدة للتدخل في لبنان اذا طلب منها ذلك، ترجمة لقولها ان "امن سوريا من امن لبنان" الا اذا كانت تعتبر ان لها حلفاء في لبنان يغنونها عن هذا التدخل ويغنونها عن العودة اليه عسكريا، بل العودة من خلالهم سياسيا وهذا اسهل واقل كلفة…
واضاف النائب نفسه: لو ان سوريا تريد فعلا لا قولا ان تقيم العلاقات مع لبنان من دولة الى دولة، لكانت وظفت صداقتها مع سياسيين واحزاب في لبنان لمصلحة هذه العلاقات وليس على حسابها ولما سكتت او تغاضت عن تصريحات بعض هؤلاء ضد رئيس الدولة وضد السلطة والحكومة ولما كان حصل ما حصل وقد يحصل بالنسبة الى المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وبالنسبة الى القرار الظني وما قد يحدثه من تداعيات عند صدوره بل كانت طلبت من حلفائها في لبنان ان يأخذوا برايها القائل بان هذا القرار اذا كان اتهاميا ويستند الى ادلة قاطعة ومستمسكات لا يرقى اليها الشك، فيجب التعامل مع هذا القرار وفقا للقانون بحيث يتفق الجميع على رفضه اذا كانت فيه شوائب او على القبول به من دون ان تؤثر الاتهامات الموجهة الى اي لبناني بتورطه في جريمة اغتيال الرئيس الحريري على وجود المقاومة ودورها في الدفاع عن لبنان وتحرير ما تبقى من ارضه المحتلة الى جانب الجيش والشعب، لان اتهام شخص من اي حزب او طائفة لا يعني اتهام الحزب او الطائفة، تماما كما هو الحال مع المتهمين بالتعامل مع اسرائيل. وان ما بدأه رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد هو السبيل الصحيح الى مقارعة الحجة القانونية بالحجة بالنسبة الى شرعية المحكمة الدولية الخاصة بلبنان او لاشرعيتها، وهو ما يجب سلوكه بعد صدور القرار الظني عند مواجهة المحكمة لنقض ما تضمنه هذا القرار بالردود القانونية وليس بالتهديد والوعيد وبالنزول الى الشارع الذي يضر بلبنان واللبنانيين ولا يضر ابداً بسير المحكمة.
وعندما تتعاطى سوريا في علاقاتها من دولة الى دولة وتساعدها على اصدقائها وتطلب منهم الوقوف مع هذه الدولة، فانها تكون فعلت ما فعله الرئيس عبد الناصر عندما كان رئيسا للجمهورية المتحدة المصرية – السورية، اذ طلب من "التيار الناصري" في لبنان الوقوف مع عهد الرئيس فؤاد شهاب، فكان الاستقرار الامني والسياسي والاقتصادي في لبنان.
لذلك مطلوب من سوريا ان تفعل الشيء نفسه، حتى اذا كان ثمة مآخذ على موقف اتخذته السلطة اللبنانية، فان معالجته تكون بين السلطتين اللبنانية والسورية، وليس من خلال تهويل حلفائها في لبنان على السلطة اللبنانية في محاولة لتطويقها واخضاعها وان من دون حق والا واجهت المتاعب والارباكات. ومطلوب من سوريا ايضا ان يكون لها موقف واضح من المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، ومن القرار الظني، لا ان تظل مواقفها تتسم بالغموض او الازدواجية، وهو ما ظهر في قول السيد مقداد الذي وصف المحكمة بـ"المسيَّسة" وذلك من خلال "تفصيلها وتشكيلتها التي تعطي الانطباع بأنها كذلك منذ تأسيسها".
الواقع ان سياسة الغموض والازدواجية التي تنتهجها سوريا هي التي لا تضع العلاقات بين البلدين في الطريق الصحيح لتصبح ممتازة ومميزة ومن دولة الى دولة فعلا لا قولا.