#adsense

لأن 14 آذار هي أم الصبي

حجم الخط

"لعمري ما تنفع الأبصار أهلها
إذا لم يكن للمبصرين بصائر"
أبو فراس الحمداني
 
في احدى قصص التوراة، روي أن امرأتين اختلفتا على أمومة طفل مولود حديثاً بعد وفاة طفل احداهما فاحتكمتا للملك سليمان، الذي أمر بعد تداول قصير بأن يؤتى بسيف ليقسم جسم الطفل بين المختلفتين، فقبلت احداهما فيما توسلت الأخرى للملك أن يترك الطفل كما هو وأن تأخذه المرأة الثانية حفاظاً على حياته. هنا قرر الملك سليمان إعطاء الطفل الى من رفضت تقسيمه لأنه علم أن عاطفة الأم هي ما دفعتها الى التخلي عنه.

أثناء حرب تموز، وبعدما بدأ يظهر حجم الخسائر التي مني بها لبنان من بشر وحجر، كنت من الذين لاموا "حزب الله" علناً ومن خلال الإعلام على الكارثة التي أدخل فيها لبنان إثر خطف الجنديين. في احدى الليالي أتاني اثنان من قياديي "حزب الله" الى المنزل في طرابلس للاستفسار عن سبب تغيير موقفي من حزبهم مع أنه لا يسعى إلا الى "العزة والكرامة"، فقلت إن حجم الكارثة أكثر من أن يتحمله شعبنا وليس من العدل أن يدفع لبنان وحده ثمن الصراعات الإقليمية، فكان الجواب: "نحن ندافع عن شرف الأمة، أما بالنسبة الى الخسائر، فدولتنا خبيرة في التسول وهي ستعوض من خلال المساعدات التي ستسعى الى الحصول عليها"، فقلت: "إن من يجبر على التسول ماذا يبقى له من شرف وعزة وكرامة؟ انكم تتعاملون مع لبنان كأنه دولة لغيركم وأن أهله هم فقط مشاريع شهداء لمشاريعكم".

منذ اليوم الأول لمغامرة إعادة الإعمار التي أطلقها الرئيس الشهيد رفيق الحريري بدأت حملة الابتزاز المستمرة من أمراء السياسة وزعماء الميليشيات في لبنان، وكانت القاعدة في هذا الابتزاز هي "إن أردت الاستمرار في مشروع إنقاذ لبنان فعليك أن تدفع لنا إتاوة سياسية وسلطوية وبالتأكيد مادية على كل خطوة صغيرة كانت أم كبيرة تقوم بها وإلا فالمستقبل الذي تسعى إليه لن يرى النور فلدينا كل الوسائل لتدميره!".

بالطبع فقد تمتعت هذه القوى السلبية بدعم وتغطية وشراكة مع دولة الوصاية القسرية على لبنان، مما وضع الرئيس الشهيد في موقع إما أن يقبل بالأمر الواقع المهين والمقيت، أو أن يذبح الوطن الفتي أمام عينيه.

بالطبع يعلم الجميع ما كان قرار رفيق الحريري، فقد فضل العض على الجرح وإعطاء الفرصة للحلم كي يكبر ويصبح عصياً على مبدأ الابتزاز على أن يتم وأده.
وحتى عندما أتته الفرصة للهروب سنة 1998، عاد سنة 2000 لاحتضان الحلم من جديد بعد ان كادت الكيدية اللحودية تميته جوعاً وعطشاً، وكلنا نذكر يومها كيف قبل ببدعة تقسيم السلطة بين الاقتصاد والمال من جهة وبين الأمن والسياسة من جهة أخرى بحيث يتولى هو مسؤولية الإنقاذ الاقتصادي والمالي، في حين يتولى الفريق الآخر مسؤولية تخريب أي منجز مالي أو مشروع اقتصادي من خلال الأمن والسياسة.

يعني استمرار الابتزاز بوسائل جديدة مغطاة أيضاً من دولة الوصاية تحت عناوين جديدة.
للأسف، ومع أن معظم المواطنين كانوا يتعاطفون مع الرئيس الشهيد، لكنه عملياً كان معزولاً لأنه لم يحاول تحميل خطورة الموقف الى أبعد من محيطه الضيق حتى لا تخرج الأمور عن السيطرة، ناهيك عن كل المعوقات الأخرى ذات الخلفيات الطائفية والمذهبية التي منعت إمكانية توسيع قاعدة الدفاع عن مشروع بناء لبنان وفق رؤيا رفيق الحريري.

عشية سنة 2004، كان رفيق الحريري يحلم بيوم التغيير مع ذهاب عهد اميل لحود الكيدي على أمل أن يعطي الحلم فرصة جديدة. وحتى هذا الحلم تم ابتزازه عندما قيل له بأن يقبل باستمرار كابوس العهد اللحودي أو أن يتحمل دمار لبنان. باقي القضية معروف، فقد دفع رفيق الحريري حياته ثمناً لحلمه، ولكن لأول مرة انتقلت عدوى هذا الحلم الى مئات الآلاف من اللبنانيين الذين تجمعوا نهار 14 آذار ليقولوا كفى ابتزازاً فنحن كلنا أم الصبي.

ويكفي بعدها كيف تصرفت قوى 8 آذار مع لبنان من شماتة بشهداء انتفاضة الاستقلال الى حرب تموز ومن بعدها تعطيل المؤسسات الدستورية من مجلس وزراء ومجلس النواب وتعطيل الاقتصاد من خلال احتلال الوسط التجاري، الى تعطيل إنشاء المحكمة الدولية، كلها أمثلة على استمرار منطق الابتزاز بالتخريب الذي كان قائماً قبل اغتيال رفيق الحريري، وبالرعاية الإقليمية نفسها المسيرة عن بعد.

واليوم بمراجعة تصريحات وتحريضات خطباء وسياسيي 8 آذار من السيد حسن نصرالله الى وئام وهاب الى نواف الموسوي ونعيم قاسم وميشال عون وغيرهم نرى منطق التهديد بتخريب البلد نفسه إلا إذا خضع الجميع الى مشيئتهم. أما البدعة الأخيرة فهي تعطيل الحكم والحكومة وبالتالي تعطيل شؤون المواطنين بهدف تعطيل المحكمة الدولية من خلال اختراع ملف وهمي اسمه "شهود الزور" مع العلم أنهم وافقوا في البيان الوزاري على التعاون مع المحكمة الدولية!

إن كل ذلك لن يدفعنا الى التسليم بقسمة الصبي، ولكننا بالتأكيد لن نقبل بتسليمه الى من سوف يحوله الى مشروع شهيد دائم على مذابح العزة والكرامة والمساومة للرعاة الإقليميين، في حين لا يبقى لنا إلا الموت والدمار والتسول من الجميع لإعادة الإعمار.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل