حملة 8 آذار على المحكمة تحوّلت سريعاً إلى حملة ضدّ "الاستقرار" مع الترويج للسحر
.. وحده جريصاتي لا سحر له!
فرّطت "قوى 8 آذار" باكراً بالورقة النافعة الوحيدة التي كان بالمقدور إستخدامها للقيام بتعبئة عامّة جدّية ضدّ القرار الإتهاميّ والمحكمة الدوليّة بالشكل العابر للمذاهب والطوائف والمناطق.
فبدلاً من أن تسعى لتمثيل "وجه نظر الإستقرار" لإستنزاف "وجهة نظر العدالة"، أغرقت هذه القوى نفسها، منذ بدء معركتها مع المحكمة الدوليّة، بمزيج غريب يتهافت من تلقائه، لأنه يرتكز إلى دعوات لا يجمعها جامع.
فمن الدعوة إلى تغليب الإستقرار على العدالة، إلى ما يناقضها من إحياء العدالة المتناسبة مع عوائدنا وتقاليدنا في وجه العدالة الدوليّة "الدخيلة". وبعدها تبرز الدعوة اللا أخلاقية إلى اعتبار الإغتيال السياسيّ شكلاً من أشكال العدالة التاريخية "ضد الفساد"، بل المطالبة بالمزيد، حيناً تحت شعار "نبش القبور" وحيناً آخر تحت شعار وضع من تبقى في صناديق السيارات. ثم هناك إتهام الفريق الآخر بأنّه جبان لا يهمه إلا أن "يعيش"، وبعد ذلك تخوين هذا الفريق لأنّه إذ يرغب في العيش لا يكترث بتضحيات المقاومين. ثم هناك الإفتئات على هذا الفريق وإنكار حقّه في أن يبكي تضحيات شهدائه. وسرعان ما يتحوّل إتهام الفريق الإستقلاليّ بالجبن إلى إتهام له بالشجاعة في التآمر على المقاومة، كونه يواصل فعل التآمر حتى بعد أن ثبت انهيار أميركا على رؤوس الأشهاد.
هذا مزيج غريب عجيب من مقولات يفخّخ بعضها بعضاً، وتجتمع كلّها لتفضي إلى الخلاصة الممانعاتية: أنّ القرار الإتهاميّ مؤامرة على المقاومة. لذا فإن المقاومة ستقتصّ من الفريق الآخر. ولا أحد سوف يتدخل من الخارج لحماية الفريق الآخر. إذاً القرار الإتهاميّ هديّة يقدّمها المجتمع الدوليّ إلى المقاومة لكي تستولي على البلد، والمقاومة تقبل الهديّة مضطرّة.
ومحنة الخروج على العقل في موضوع القرار الإتهاميّ تتجاوز هذا الحدّ، لأنّ التعريض بفكرة "الإستقرار" سبقت التعريض بشرعية وصدقية التحقيق والمحكمة. فالأمر بدأ بمواجهة محدودة "أهليّة" مع قوّات "اليونيفيل"، وتمثّل لاحقاً بتكرار التهديد الموجّه ضدّ القوّات الدوليّة.
والآن بالتحديد ينبغي أخذ الإسترسال في هذه التهديدات على محمل الجدّ ومعالجة الأمر على جناح السرعة فالإستهداف يزداد من هذه الناحية، في المرحلة السابقة مباشرة لموعد تسليم ثم بثّ "القرار الإتهاميّ"، وهذا طبعاً، لا يلغي بل يتكامل، مع الإستهداف الموجه للداخل اللبنانيّ، وخصوصاً من ناحية إعتبار موعد صدور القرار مناسبة لإقتطاع مناطق جغرافية جديدة والتعديل القسري لنسيجها الإجتماعيّ.
إنّ الفشل من جانب "قوى 8 آذار" في التعبئة العامة ضدّ القرار الإتهاميّ من موقع "الإستقرار الوطنيّ" في وجه "العدالة الدوليّة" له تبعاته. وهذه التبعات من شأنها أن تتوالى تباعاً، عنوانها العام هو تظهير حقيقة أن من يحارب العدالة يحارب الإستقرار.
في المقابل، يقع على عاتق الحركة الإستقلالية واجب المزاوجة التامة بين الإستقرار والعدالة، في مواجهة تعريض 8 آذار بكليهما. وهذا يعني في الواقع ثلاثة أمور متمايزة:
أولاً، ينبغي للبنانيين انتظار القرار الإتهامي ليتبينوا إثر قراءته نوعية "المادة الإثباتية" التي تسند الإتهام، فضلاً عن نوعية الترابط بحسب القرار نفسه بين دوائر التحريض والأمر والتخطيط والتنفيذ، وقد يؤمن ذلك توطئة لإقتفاء دوائر التلاعب بالمعالم والأدلة أو إخفائها، وإخفاء الشهود أو قتلهم، وبثّ مواد ملفّقة بقصد تضليل التحقيق، فضلاً عن الخارطة الكاملة للحرب السرّية ثم العلنية، السياسيّة والأمنية، ضدّ المحكمة الدوليّة وضدّ الحركة الإستقلالية.
ثانياً، في الوقت نفسه الذي ينتظر اللبنانيون القرار للتثبّت من "مادته الإثباتية" فإن حرصهم على الإستقرار ينبغي أن يدفعهم بإتجاه تسوية تقوم على عدم تطوير أي إتهام سياسيّ يوجّه على خلفية القرار الإتهاميّ، مع مطالبة الجميع بالتعاون الإجرائي القضائيّ مع المحكمة، وقبل كل شيء مطالبة المعنيين بالإجابة المفصّلة والرزينة على الأسئلة الأكثر بداهة التي سيطرحها القرار، ومن بعده الرأي العام، ليس في لبنان فقط بل في العالم أجمع، وبالأخص في العالمين العربيّ والإسلاميّ.
ثالثاً، ثمّة مشكلة دقيقة تتصل بسعي إسرائيل، العدوّ اللدود للبنان، إلى الإستفادة من أي إنقسام على الساحة اللبنانية، وبالذات إذا كان الإنقسام مبنياً على جرائم إغتيال لها آثار مباشرة على الإجتماع الأهليّ. التسوية ينبغي أن تنطلق في هذا الجانب لكي تكون "تحصينية" للواقع اللبناني في مواجهة التسلّل الإسرائيليّ، لكن ليس أبداً لكي تكون "تلفيقية".
الحلّ الذي اقترحته "8 آذار" كان تبسيطياً وتلفيقياً: نسب كل الجرائم بمجرّد حصولها إلى إسرائيل، وإعفاء الذات من ثمّ من كل مراجعة، من كل محاسبة. هذا يسمّى "انزلاقاً" على الصعيد المنطقي: الإنزلاق من حقيقة واقعة مفادها ان العدو يستفيد من أخطاء نقترفها، إلى تضليل ذاتي من نوع أنّ كل خطأ نقترفه مصدره العدوّ. وهذه مخاطرة تخلط الحابل بالنابل. فالمستفيد من عمل ليس دائماً من قام بهذا العمل.
والمشكلة هنا تتصل أيضاً بالمسألة "العلمية التكنولوجية" بالشكل الذي يطرحها "حزب الله" اليوم. هو يريد الجمع بين إبراز معطيين: معطى أن اسرائيل قوية علمياً وتكنولوجياً بما فيه الكفاية لتقوم بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد في وسط العاصمة، ثم لإخفاء الأدلة بعد ذلك، ووضع أدلة مغلوطة في وسائل إتصال المقاومين. ومعطى ثان هو أن "حزب الله" يخترق هذه القوّة العلمية التكنولوجية الإسرائيلية، لا سيّما من خلال النظرية الأخيرة التي جرى تسويقها حول عالم الإتصالات. هذه النظرية مختصرها أن عالم الإتصالات السلكية واللاسلكية هو عالم مسحور مسكون، وكل الكلام "التقني" جاء ليزيّن هذه النظرة الأساسية.
لكن، ينبغي الإقرار هنا بأنّ المؤتمر حول الإتصالات حقّق نجاحاً "إعلامياً" معيّناً من حيث إخراجه ومن حيث تماشيه مع محبة اللبنانيين للعلوم والتنكولوجياً، فضلاً على أنّ منظر "المقاومة المتخصصة" يريحهم أكثر من منظر "المقاومة المنزلقة في صدامات الأحياء". لكن، المشكلة تبقى في الفصل بين منظر "المقاومة المتخصصة" وبين تصوّرات مسحورة للتكنولوجيا، ويدخل ضمن ذلك التصوّر السحريّ للأسلحة والصواريخ وخلافها.
في المقابل، فإن المطالعة القانونية للقاضي سليم جريصاتي لم تحقّق مثل هذا النجاح، لأنها جاءت بريئة من كل سحر. فحتى من وجهة نظر "حزب الله"، لم تقم هذه المطالعة، باستثناء أنها ذيّلت بتوقيع قاض سابق، إلا بإستجماع الحجج الشعبية التي كان يطلقها خطباء منابر الممانعة في الشهور الماضية، بل لم يجر صقل هذه الحجج الشعبية بما كان متاحاً صقله أصلاً من لغة تفقهية قانونية محترفة. وبهذا المعنى فشل القاضي في أن يكون محامياً، وفسدت الطبخة.