كتبت أيمن شروف في صحيفة "المستقبل" الصادرة في 10/12/2010:
قد يكون من الأهمية بمكان في هذا الظرف "الصعب" الذي يمر فيه لبنان، أن يبادر اللبنانيون الى نسج الأفكار أو الى ابتداع المبادرات لمواكبة "الزلزال الأخلاقي"، أي القرار الاتهامي المنتظر صدوره "قريباً" عن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان.
وقد يكون من المفيد أيضاً، استعادة "النفس الميداني" الذي افتقده لبنان منذ مدة ليست ببعيدة، إذ ان الواقع أملى على قوى "14 آذار" الابتعاد كلياً عن نبض الشارع عن حق أو عن غير حق، هذا ليس محور النقاش، إلا أن من المهم اليوم أن تتبلور نظرة "مدنية" تواكب ما سيكون في المقبل من الأيام.
هذا بالضبط ما بادرت إلى القيام به مجموعة من الناشطين وقادة الرأي، عبر إطلاقهم وثيقة "تأسيسية" تحت عنوان "تجمع العدالة والمصالحة"، من أجل طَي صفحة الحروب بصورة نهائية، ومن أجل مصالحة وطنية قائمة على العدالة والإنصاف أولاً وأخيراً، عدالة تُخرج لبنان من نفق الاغتيالات "المجهلة الفاعل" دائماً، وتفتح الباب أمام مصالحة المواطن مع نفسه أولاً، ومع الآخرين ثانياً.
من تابع ولادة هذا التجمع، أمضى ما يقارب الشهرين في الإعداد لمبادرة كهذه، تمثّل طموحات "جمهور استقلالي" مرتبط بلحظة 14 آذار 2005، بوصفها لحظة تاريخية لا تتكرر في تاريخ الشعوب، هذا الارتباط الذي لا علاقة له بتنظيم 14" آذار" السياسي، كان المسبب والمحفز الى إنتاج "تجمع" يعيد الزخم إلى أفكار غُيّبت قسراً عن بال اللبنانيين، وحان وقت عودتها.. وبإلحاح يفرضه "الزلزال".
كثر عملوا لهذا الحدث، وأحد المتابعين عن كثب وواضعي الخيوط الأولى لهذه المبادرة، يلخص هذا الإنجاز بطريقته "المحبوكة" باتقان يجيده، ويتمسّك به، فبالنسبة إليه، "الأزمة وطنية ومصيرية" و"المصير اللبناني يتقرر اليوم كدولة واجتماع سياسي وأسلوب عيش".
يتلخص مفهوم العدالة والمصالحة بالنسبة الى واضعي الوثيقة، بأمرين أساسيين، "فالمصالحة بمعناها النبيل هي مصالحة اللبناني مع نفسه ومع الآخر ومع نظام القيم المشتركة ومنه إلى العالم الواسع". وهذه المصالحة ليست بأي شكل من الأشكال مصالحة فريق سياسي بريء مع آخر متهم. هذه المصالحة لا تعني من اجتمع في فندق "لوغبريال" قبل يومين، لأنها لا تؤسس لمستقبل هذا البلد، بل لتسوية على غرار ما شهده لبنان في الماضي، حيث ابتداع الحلول الظرفية، يغري البعض ويكبح جماح البعض الآخر، فلا تلبث الحروب أن تعود لتطل بأدواتها حين يستقوي طرف على آخر بذرائع مكررة.
أما العدالة، وهي الفكرة التي تسبق فعل المصالحة، فهي "تتجاوز اللحظة الراهنة، لكي تكون فكرة تأسيسية وخلاصية، بحيث لا مستقبل من دون عدالة وإنصاف"، وهذا الفعل، غائب عن لبنان منذ عقود، إذ ان ما اتفق عليه اللبنانيون بعد الطائف هو أشبه بمقولة "الاتفاق على ألا نتفق"، اذ يصبح العفو العام "موضة"، صحيح أنها تنهي معركة "دموية"، إلا أنها في الوقت نفسه لا تؤسس بأي شكل من الأشكال لفعل مسؤول، يضع اللبنانيين أمام واقعهم وأفعالهم، ويجعلهم مسؤولين أمام أنفسهم وأمام الوطن. ومن هنا أهمية أن "لا تقوم المصالحة على حساب العدالة، بل أن تستجيب لمقتضياتها".
قراءة المؤسسين لهذا التجمع تتعدى واقع الحال، إلى تفنيد ما سيفضي إليه القرار الاتهامي أو "الزلزال الأخلاقي"، فاللبنانيون سيجدون أنفسهم "مدفوعين، طوعاً أو قسراً، إلى انقسام بين فريق يريد الحقيقة والعدالة وفريق يرفضهما، بين فريق الضحايا وفريق الجلاّدين، بين من يريد وضع حد نهائي لعادة الإفلات من العقاب، وبين من يصر على إبقاء الدولة والحياة السياسية رهناً بقانون القوة وفائضها".
ومن الطبيعي أن يؤدي هذا "الزلزال" إلى تموضعات جديدة، ستخترق في مكان ما ثنائية 8 و14 آذار، والتي بقيت صامدة طيلة السنوات الخمس الماضية. وهذا الخرق يأتي من قاعدة أخلاقية، بحيث أن غالبية اللبنانيين ستكون أمام واقع لا مفر منه، فإما أن يكونوا مع المتهم أو في مواجهة معه، وبالتالي يصبح الفرز أخلاقياً بامتياز، ولمصلحة العدالة بما لا يقبل الشك.
ولا يخفي هؤلاء قلقهم، كما كل اللبنانيين، من رد فعل يهدد أمن الناس كون "الدولة غائبة" كلياً عن ضمان استقرار مفقود قبل القرار الاتهامي، فكيف الحال بعد هذا القرار؟ وبالتالي، يبقى التعويل على "عناية دولية، لبنان موجود فيها، أقلّه تمنع الانفجار" إن لم يكن لديها القدرة على تثبيت استقرار تنشده غالبية ممن أرهقتهم الحروب، وأضنت عيشتهم ميليشيات مسلحة عاثت وتعيث فساداً في أنحاء الـ10452 كلم2.
والواقعية السياسية، والانتماء الوطني الصرف لدى فريق "التجمع"، يمليان عليه الاعتراف بأن الجانب المؤلم في هذه الصورة، يبقى غياب الأمان اللبناني، فلا آمال تُعقد على "تعقل داخلي" قد يطرأ في لحظة من اللحظات، بحيث يصبح الخطر يتهدد كل أطياف الشعب اللبناني من دون استثناء، ولهذا يكون من الملح أن تكون هناك شبكة أمان لبنانية بامتياز، يكون فيها الرأي العام الاستقلالي هو المحرك الأساس، هذا الرأي العام المتعدد الذي صمد في عز الأزمة، بعيداً عن ميول زعمائه وتطلعاتهم.
وفي انتظار المقبل من الأيام، تبقى الوثيقة خطوة أولى تلزمها خطوات كثيرة، تجعل من الحلم اللبناني واقعاً يفرض نفسه حالة استثنائية في وطن استثنائي.