“الحركات الأصولية”… في خدمة الخمينية!!

الجزء الثالث: علاقة إيران بالحركات الأصولية في مصر

بقلم طارق حسّون

"ايران زعيمة الحركات السنّية"، هو عنوانٌ لمقال كتبه الصحافي عبد الرحمن الراشد في صحيفة "الشرق الأوسط" السعودية بتاريخ 18 حزيران 2008. وبالفعل فعلى رغم الإختلاف العقائدي العلني بين الجمهورية الإمامية الإيرانية وبين الحركات التكفيرية، إلاّ ان إيران تُعتبر على ارض الواقع الحليف الموضعي والداعم الأساسي والزعيمة الفعلية للحركات التكفيرية حول العالم.

في الجزئين الأول والثاني من "الحركات الأصولية… في خدمة الخمينية"، قمنا بتسليط الضوء على علاقة الجمهورية الإمامية الإيرانية بتنظيم "القاعدة" و"الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر"، على ان نتناول في هذا الجزء علاقة ايران بالحركات الأصولية في جمهورية مصر العربية.

تعود الأصول الفكرية لـ"حركة الإخوان المسلمين" في مصر الى رجل الدين الفارسي سعيد جمال اسد آبادي الذي عُرف على نطاقٍ واسع في العالم السنّي تحت إسم جمال الدين الأفغاني. وكان الأفغاني قد هاجر الى مصر في العام 1871م وبدأ بنشر أفكاره التي لاقت رواجاً كبيراً بين صفوف رجال الدين المصريين وعلى رأسهم الإمام محمد عبده، ورشيد رضا الذي كانت لكتاباته الأثر الأبرز في تكوين الشخصية الفكرية لحسن البنّا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين في مصر منتصف القرن العشرين.

ادّى إنتصار الثورة الإمامية في ايران العام 1979 الى دغدغة أحلام الحركات الأصولية، وإعطائها جرعة أمل في إمكان قلب انظمة الحكم والإستيلاء على السلطة داخل بلدانها. من هنا بدأت إيران بمدّ هذه الحركات الأصولية بكل الدعم اللازم رغبةً منها بإلهاء الدول العربية والإسلامية بقضاياها الداخلية، وذلك في موازاة خلق مراكز قوى سنيّة موالية للإمامية السياسية، بما يسهل لإيران التفرّد في إدارة شؤون المنطقة العربية والإسلامية.

رحب الإخوان المسلمون في مصر بالثورة الإمامية التي قادها الإمام الخميني، آملين أن ينجحوا بدورهم في إسقاط النظام العلماني في مصر، وقد ايّد المرشد العام للإخوان المسلمين محمد مهدي عاكف في مقابلة له مع وكالة الأنباء الإيرانية بتاريخ 28 كانون الثاني 1982 "أفكار ومفاهيم الجمهورية الإسلامية الإيرانية"، مُضيفاً "أن افكار آية الله الخميني هي إمتدادٌ لتوجّه الإخوان المسلمين".

امّا جذور العلاقة بين الحركات الأصولية في مصر وبين الأصولية الشيعية في ايران فترجع الى اربعينات القرن العشرين، حين لعب رجل الدين الإيراني "نواب صفوي"، مؤسس حركة "فدائيان إسلام"، دوراً محورياً في الربط بين الأصولية السنّية والأصولية الشيعية، وقد كان لـ"حركة الإخوان المسلمين" اثرٌ كبير في إحياء المدّ الإسلامي في إيران.
وتلبيةً لدعوة سيّد قطب، العقل المفكّر لجماعة الإخوان المسلمين في مصر آنذاك، زار نواب صفوي مصر والأردن، بحيث اضحى صفوي، تحت تأثير جماعة الإخوان، اكثر إهتماماً بالقضية الفلسطينية التي كانت شبه مُغيبّة عن الحياة السياسية والإجتماعية الإيرانية آنذاك.

وللدلالة على الأثر العميق الذي تركته الحركات الأصولية في فكر الثورة الإمامية الإيرانية، يذكر الإمام الخميني في سيرته الذاتية "كيف انه اصبح مهتمّاً بالأنشطة السياسية بعد مقابلته نواب صفوي في مدينة مشهد الإيرانية". وقبل نجاح الثورة الإمامية قام الإمام الخامنئي بترجمة كتابين لـ "فيلسوف" الحركات الأصولية سيّد قطب هما: "المستقبل لهذا الدين"، و"الإسلام ومشكلات الحضارة".

في 6 تشرين الأول 1981 إغتيل الرئيس المصري أنور السادات على يد خالد الإسلامبولي الذي ينتمي الى منظمة "الجهاد" المُنبثقة عن "حركة الإخوان المسلمين"، وعلى الفور اعلن الإمام الخميني إبتهاجه باغتيال السادات، وذلك بالتزامن مع إعلان السلطات المصرية عن إكتشاف كتب الإمام الخميني بحوزة بعض عناصر المجموعة الأصولية التي نفذّت الإغتيال. كما أشارت تقارير أجهزة الأمن المصرية إلى اتصالات بين تنظيم "الجهاد" الذي تبنى عملية الاغتيال وبين إيران، من خلال عناصر فلسطينية إسلامية في قطاع غزة.

سارعت السلطات الإيرانية الى إطلاق إسم "خالد الإسلامبولي" على احد الشوارع الرئيسة في طهران، كما خصّت "فيلسوف" الحركات الأصولية سيد قطب، والداعية الأصولي الشيخ كشك بلفتة مميزّة، وذلك عبر إطلاق اسميهما على شارعين أساسيين في طهران.

وقد نجحت الماكينة الدعائية الإيرانية بتحويل خالد الإسلامبولي الى رمزٍ وملهمٍ للعديد من الحركات الأصولية التفكيرية. ففي 31 تموز 2004 اعلنت منظمّة "كتائب الإسلامبولي" مسؤوليتها عن محاولة إغتيال شوكت عزيز، المرشح لمنصب رئيس مجلس الوزراء في باكستان. وفي 24 آب 2004 قامت مجموعة تكفيرية شيشانية تُطلق على نفسها إسم "حركة الإسلامبولي" بتفجير طائرتين مدنيتين روسيتين.

شارع خالد الإسلامبولي في طهران:

اعتبر الإيرانيون الحركة الإسلامية في مصر بمثابة الإبن الشرعي للثورة الإمامية الإيرانية، وأدانت إيران ما أسمته تعقب الحكومة المصرية لعناصر الجماعات الإسلامية في مصر، وفي العام 1985 استعرض الرئيس الإيراني السابق هاشمي رفسنجاني أوجه الشبه بين الحركات الإسلامية بمصر وبدايات الثورة الإمامية. كما فتحت إيران صحافتها لأقلام الأصوليين المصريين.

على صعيدٍ آخر، وعقب انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، حاولت إيران تعويم القيادات الأصولية في مصر، فاشترطت على الحكومة المصرية إشراك هذه القيادات في مفاوضات إطلاق الأسرى المصريين الذين وقعوا في قبضة الجيش الإيراني بعد مشاركتهم في القتال الى جانب العراق.

ضاعف تدخّل إيران في الشؤون الداخلية لمصر من حدّة التوتّر بين البلدين، ففي شهر آب من العام 1992 اتهم وزير الداخلية المصري، الجمهورية الإمامية الإيرانية بتدريب عناصر "الجهاد" في معسكراتٍ خاصة في السودان، وقامت مصر بسحب رئيس قسم رعاية المصالح المصرية في طهران في 30 تشرين الثاني من العام نفسه. وفي 18 آذار 1993 القت السلطات المصرية القبض على مجموعةٍ أُصولية سودانية اعترفت بتلقيّها الدعم من إيران للمشاركة بتنفيذ أعمالٍ إرهابية في مصر.

وفي حزيران 1995 تعرّض الرئيس المصري حسني مبارك لمحاولة إغتيال في أديس ابابا، وقد وُجهّت أصابع الإتهام الى بعض الجماعات المدعومة من إيران، بالتزامن مع إعلان الصحافة الإيرانية تأييدها العلني لمحاولة الإغتيال.

وفي السياق ذاته، خلصت مقالة نشرها "معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى" تحت عنوان "جماعة الإخوان المسلمين في مصر وإيران" لـ "مهدي خلجي" الى أنه "على الرغم من استحالة التقارب العقائدي بين المذهبين السني والشيعي، إلا أنه من الممكن أن تكون هناك علاقات بين طهران الشيعية والإخوان المسلمين السنية داخل مصر. فالعلاقات غير الرسمية قائمة بين الطرفين منذ عدّة سنوات، والمذهب الشيعي يلقى قبولاً من التيار السني المصري على عكس كثير من الدول العربية، فضلاً عن استحسان الراديكاليين المصريين للانتقادات الإيرانية للدور المصري". وترى المقالة أيضًا أن من شأن تلك العلاقة بين إيران الشيعية والإخوان المسلمين السنية زيادة النفوذ الإيراني في منطقة الشرق الأوسط، وأن يكون لطهران كلمة في الدول العربية".

لا شكّ أن القبول الجزئي الذي يلقاه المذهب الشيعي في مصر ينبع من خلفيات سياسية بالدرجة الأولى، وهو يأتي كتعبيرٍ عن تمايز وإختلاف بعض الأصوليين السنّة مع النظام العلماني المعتدل في مصر. ولذلك فإن الحكومة المصرية بذلت جهوداً مُضنية لتعبئة رجال الدين البارزين في الأزهر الشريف ضد الإخوان المسلمين، وذلك بهدف محاربة هذا المدّ السياسي الإيراني الذي يرتدي لبوساً مذهبياً يحاول من خلاله التسللّ الى شؤون مصر الداخلية. ومن هنا أمكننا فهم كلام الرئيس المصري حسني مبارك في تشرين الثاني 2005 عندما ابدى تخوفّه من "إرتباط معظم الشيعة بإيران وليس بحكومات بلدانهم".

لقرائة الجزء الأول إضغط هنا

لقرائة الجزء الثاني إضغط هنا


المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل