كتبت رباب الحسن في صحيفة "اللواء" الصادرة في 10/12/2010:
استكمل "حزب الله" حملته على المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، فبعد المؤتمر الصحفي لأمين عام الحزب السيد حسن نصر الله الذي أعلن فيه مقاطعة المحكمة الدولية وتفنيده لملف "داتا الاتصالات" والإختراقات الإسرائيلية لشبكات الهاتف اللبنانية، والذي ألحق في ما بعد بمؤتمر صحفي مشترك لوزير الاتصالات شربل نحاس ورئيس لجنة الإعلام والاتصال النيابية حسن فضل الله اللذان أكدا فيه حصول ا ختراقات، طرح "حزب الله" مجدداً بالأمس هواجسه من المحكمة الدولية، فتحدث النائب محمد رعد عن أن المحكمة مسيّسة ولا تلتزم بمعايير العدالة الدولية، وتجاوزها للدستور اللبناني عند إنشائها كما قال، إضافة الى تنصلها من محاكمة "شهود الزور" وانتهاك مبدأ السرية فيها وتغيير قواعد الاجراءات وتجاوز حدود اختصاصها في طلب قواعد البيانات و"داتا" الاتصالات والتي أدت الى خرق السياسة اللبنانية… الى غيرها من الكلام الذي وصفه مصدر قانوني بأنه كلم "متوجس سياسياً" وليس تحليلاً قانونياً لعمل المحكمة الدولية.
وفي معرض قراءته للمؤتمر الصحفي للنائب رعد، أوضح المصدر القانوني أن المحكمة الدولية دستورية وشرعية، وليست "مهرّبة" كما يروّج البعض، مبدياً استغرابه لاستمرار طرح هذا الأمر عبر رجال السياسة وبعض أهل القانون، مؤكداً أن هذه المحكمة دستورية بالمفهوم الشرعي اللبناني على اعتبار أن تأسيسها جاء مطابقاً لنصوص الدستور اللبناني، لافتاً الى أن تأسيسها عبر مجلس الأمن الدولي جاء نتيجة تعذّر إنجاز اتفاقية إنشائها وفقاً للدستور اللبناني، عمدت الإرادة الدولية الى إصدار القرار 1757 تحت الفصل السابع، والذي هو بالنسبة للدستور اللبناني قرار ملزم للبنان، موضحاً في هذا الشأن أن القرار الدولي يتجاوز الدستور المحلي.
وهو إذ استغرب اعتبار أن المحكمة تخطت إرادة ومصالح اللبنانيين ومؤسساتهم الشرعية، أوضح أنه لو وافق في حينه مجلس النواب على الانعقاد لما كان هناك من مشكلة ولصدرت اتفاقية المحكمة بإرادة كل اللبنانيين، ولكن الفريق المعترض على عمل المحكمة جهد منذ البداية على تعطيل مسارها، والبداية كانت في إقرارها، لافتاً الى أن عدم إقرار قانون إنشاء المحكمة في مجلس النواب لا يعني أنه ليس دستورياً أو يتخطى المؤسسات الشرعية اللبنانية، مشيراً الى أن عدم إقرارها في مجلس النواب دفع المجتمع الدولي الى اتخاذ قراره بٌنشاط المحكمة تحت الفصل السابع، فحلّ القرار الدولي نتيجة لذلك محل مجلس النواب وتوقيع رئيس الجمهورية.
أضاف: "إن المحكمة الدولية تستمد شرعيتها ودستوريتها اللبنانية من خلال الحكومات المتعاقبة التي أوردتها في بياناتها الوزارية وحظيت بثقة مجلس النواب على هذا الأساس، علماً أنه في وزارتين متتاليتين (حكومة الرئيس فؤاد السنيورة وحكومة الرئيس سعد الحريري) كان المعترضين على المحكمة اليوم أعضاء في الحكومتين ووافقوا بالإجماع في مجلس الوزراء، كما منحوا ثقتهم لهاتين الحكومتين في مجلس النواب، فأين كانوا عندها"؟
إضافة الى ذلك، فإن تمويل المحكمة أقرّ أكثر من مرة في مجلس الوزراء ومن دون اعتراض أي فريق سياسي فماذا حصل اليوم لتتغيّر المواقف؟
ويرى المصدر القانوني أن ما يجري اليوم هو عمل سياسي بحت ضد المحكمة الدولية مغلّف بقشرة قانونية، وهو عمل غير منطقي ولا قانوني.
وتوقف المصدر القانوني عند عنوان "المريب في قواعد الإجراءات والإثبات والحديث عن إمكانية تهميش القضاة اللبنانيين في المحكمة"، مؤكداً أن القضاة اللبنانيين هم جزء أساسي من المحكمة، والخائف اليوم على محاولة تهميشهم كان طالب سابقاً بتنحيتهم، علماً أن أحد هؤلاء القضاة حكم لمصلحة اللواء المتقاعد جميل السيّد في الاطلاع على مستندات المحكمة.
واعتبر المصدر أن "حزب الله" وفريقه يخلطون "الحابل بالنابلط فهم لا يفرّقوا حتى الساعة بين المحكمة الدولية والقرار الاتهامي، وقال: "بدأوا أولاً بالمحكمة التي "لم نر حتى الساعة خيرها من شرّها"، علماً بأنهم رأوا الكثير من خيرها ولم يروا شرّها حتى اليوم".
فالمحكمة حكمت لصالح اللواء جميل السيّد في أمور اعترض عليها المدعي العام دانيال بلمار، متسائلاً كيف نحكم على المحكمة وهي حتى الساعة لم تعقد ولا جلسة، وجلّ ما قامت به حتى اليوم البتّ في مسائل شكلية فاعتبرت مسيّسة، فكيف لو تبتّ في الأمور الجوهرية؟ ورأى المصدر أن ما يحصل هو استعجال للأمور قبل أوانها، ومحاولة لطمس الحقيقة، فمن البداية عمد "حزب الله" وحلفائه الى اتخاذ موقف سلبي من المحكمة، وسعوا جاهدين الى تجهيل القتلة واعتبار أن من اغتال الرئيس رفيق الحريري مجهول، أو اتهام "أبو عدس" أو "الحجاج"، فهم لا يريدون أية وسيلة جدية لملاحقة القضية، لافتاً الى أنه لو لوحقت قضية الحريري وفقاً لجرائم القتل السابقة لكان مصيره كمصير ما سبقها من قضايا "تجهيل الفاعل"، فحتى اليوم لم نعرف من اغتال المفتي حسن خالد، وناظم القادري، ورياض طه، متسائلاً هل أن المطلوب إبقاء الفاعل مجهولاً؟ وهل بهذه الطريقة ترتاح السيادة اللبنانية؟ وهل أن السيادة اللبنانية لا تكون سيادة إذا ما عوقب هؤلاء المواطنين الذين يعاقبون على آرائهم السياسية بالقتل ويُمنع البحث عن القاتل؟
وأكد المصدر أن كل الضجة المثارة في لبنان ضد المحكمة الدولية لن تجدي نفعاً لأنه لا يؤثر على المحكمة، وجلّ ما ينتج عن هذه "القرقعة" تشنج أعصاب الشعب اللبناني واستنزاف اقتصاد لبنان ومؤسساته ومعيشته اليومية، وإيمان الدول أننا دولة جديرة بالحياة.
المصدر الذي استغرب حديث النائب رعد عن الأدلة الظرفية متسائلاً لماذا هم يعرفون كل هذه الأمور ونحن لا نعرف عنها شيئاً؟ وقال: "أنا متأكد أنهم لا يعلمون شيئاً، فهم متوجسون ولكنهم لا يعلمون… وهدفهم الوحيد والأساسي إلغاء المحكمة الدولية".