الكلمة الحرَّة تبقى. وتبقى مضيئة ومدوٍّية كفارسها جبران تويني. القسم للبنان العظيم يبقى، ويبقى المسلمون والمسيحيٍّون يردٍّدونه بشغف وايمان. الصوت الهادر كنهر الحب يبقى، ويبقى ضاجاً في وجدان اللبنانيين، وفي ساحة الشهداء الأبرار الذين انضم الى قافلتهم بجدارة.
وها هي ذكرى ذلك اليوم، ذكرى ذلك الانفجار، ذكرى ذلك الكسوف الذي دهم مسيرة لبنان المنعتق حديثاً، تقول لنا إن جبران لا يزال يملأ بحضوره ساحات النضال، وصفحات "النهار"، ومبنى "النهار" الذي حوَّله وجود جبران الدائم والساحر مقراً للحرية والأحرار.
وها هو صوته الطافح بالمحبة والتسامح والتسامي يذكرٍّ اللبنانيين، وأولئك السادة المنخرطين في ورشة تعطيل الوطن وتدميره حتى التمزُّق والاندثار، بان الشهادة ما كانت يوماً فعل مصادفة، أو نتيجة خطأ. إنما هي مرادفة لفعل الإيمان وفعل التضحية حتى بالنفس.
مَنْ ينسى وقفات جبران في الساحات، وفوق المنابر، وبين الطلاب والشبان والأجيال الصاعدة مبشٍّراً بالوطن، وبواجب المواطنين تجاه هذه القطقة من الجنة التي اعتبر شهيد القسم وشهيد الكلمة الحرة انها تستحق كل التضحيات، وكل وقفات العزّ التي تساوي الوجود، والتي لم يقصٍّر جبران في وقوفها حتى الرمق الأخير.
يمكن القول لجبران في الذكرى الخامسة إنَّ أموراً كثيرة تغيَّرت أو تبدَّلت أو تناثرت، إلا أنَّه ورفاقه الشهداء ما زالوا يشكّلون ذلك الحاجز الوجداني، وذلك الرادع لكل مَنْ تسوٍّل له نفسه مقايضة حرية الوطن وشهادة الفرسان بمنصب أو مكسب أو إغراء لا يكسر بريقه إلاّ ضعاف النفوس وأصحاب الشهوات الرخيصة.
بعضهم سقط في مستنقع الأنانية. آخرون جرفتهم الأحقاد والضغائن الى الزواريب والأزقّة، بحثاً عن انتصارات لا تليق بالشجعان والنبلاء فكيف بالشهداء. متزعمون لا يزال الشبق الى السلطة وكراسيها ومسالبها يهيمن على عقولهم ويسربل وجدانهم ويعمي قلوبهم…
لكن ذلك كله لا يستطيع أن يزحزح ايمان اللبنانيّين بالرسالة التي كتبها بالدم جبران ورفاقه، وبالقسم الذي تستهل به المناسبات الوطنيّة والسياسيَّة وحتى الاجتماعيّة.
أيها الحبيب جبران، لا نحاول هنا في هذه الذكرى تأنيب الذين سقطوا على جانبي الطريق، أو تناسوا هتاف دم الشهداء، كما لا نبحث عن عزاء أو تعويض. فأنت لم تفارق هذا المبنى الذي ما زلت تسنده وتدعمه وتحميه بحضورك القويٍّ والدائم.
وبحبّنا لك، وبوفائنا لهذا النمر الجريح الرابض في بيت مري، لأستاذنا غسان الذي سلّمك الشعلة باعتزاز وفرح، واثقاً من ان "النهار" ستكون دائماً في رعاية أمناء على رسالتها. وهو اليوم في صمته العظيم، صمته المدوي إنما يحادثك بحب وحنان، انما لا ينفك يتفقدك ويفتقدك ويناديك.
وبثقة هي في مطرحها.
وثقتك كذلك في مطرحها.
وذكراك التي نحسبها رفيقة الدرب والأيام لا تبارح مطرحها ومطارحنا.
غداً، وبعد غدِ، وبعد سنة، وبعد دهر، لن يتغيَّر حرف مما كُتب. ولن تتمكَّن عوامل الأيّام والأزمنة من ان تلوي رسالة "النهار"، أو تكسر شموخها، أو تؤثر على ناموسها وقاموسها وتقاليدها وقيمها.
فنايلة تنكَّبت المسؤولية بعزم وصدق وصبر وصمود وعناد، وأقامت من نفسها أمينة على الشعلة، وعلى الرسالة وعلى القسم.
والأسرة النهاريَّة، مهما اعتراها فإنها ماضية برباطة جأش في مسيرة الألف ميل.
لن تخون قسمك ولن تخون ثورتك. لن تخون نفسها. لن تخون ذكراك.
سيبقى الجميع أوفياء لك، لشهادتك، لـ"نهارك" وللبنانك.