… ليست خافية على أحد خلفية التهديدات التي يطلقها "حزب الله"، وآخرها ما جاء على لسان رئيس كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد، إذ أن انفعاليته ليست عادية، وهي تعكس الوصول الى طريق مسدود.
… ليست المسألة هي الاستعجال بالتسوية قبل القرار الاتهامي المتوقع صدوره عن مدّعي عام المحكمة الدولية فقط، بل هي أبعد من ذلك، وتتعلق أيضاً بالمفاوضات الجارية حول الملف النووي الايراني.
… إذاً، المسألة ذات شقين، الاول يتعلق بالمحكمة الدولية، والثاني بالملف النووي الايراني، ويبدو أن الفرنسيين فشلوا في لعب دور لحل الشق الاول، خصوصاً مع الاميركيين، وأما الثاني، فإن الجولة الاولى من المفاوضات بين ايران والاتحاد الاوروبي لم تظهر أي مؤشرات الى تطوّر ايجابي في ما يتعلق بالملف النووي الايراني… وأما الجولات الاخرى المعلن عنها فلا شيء يوحي أنها ستحقق تقدماً، ما يعيد الى الواجهة احتمال الحرب الاميركية ضد ايران.
… إن تهديدات النائب محمد رعد تصب في منحى الايحاء بأن "حزب الله" سيتحرك وبقوة في حال تم التعرّض لإيران أو في حال صدور القرار الاتهامي بما لا يتناسب معه.
… إذ ليس عادياً إعطاء مهل كما فعل رئيس كتلة "الوفاء للمقاومة" بما يشبه الانذار للبنانيين بأن أمامهم ثلاثة أو أربعة أيام كي تتحقق التسوية… علماً ان لا أحد يعرف ماذا يقصد "حزب الله" بالتسوية، وعلى أي أساس تتحقق، إذ لم يوضح أحد في الحزب مفهومه لذلك، علماً انه إذا كان المقصود التنازل عن المحكمة الدولية فهذا أمر ليس بيد أحد من اللبنانيين، وهو يتعلق مباشرة بمجلس الامن الدولي، ولكن في الوقت عينه، فإن هذا الانذار الموجه من "حزب الله" هو أيضاً إيحاء من الحزب بأن أي تعرّض لإيران سيكون له ارتدادات عنفية في لبنان، وربما في غير لبنان.
… أما اذا أخذنا الامور بحسن النوايا، فإننا ندرك تماماً أن لا حل في لبنان إلا بالتسوية، وسيكون الجمود وشل المؤسسات هو الطاغي ما دامت هذه التسوية لم تتحقق وأي عملية من هذا النوع تتطلب تنازلات متبادلة، والمشكلة في الأساس أن "حزب الله" لم يحدد مفهومه للتسوية ليبنى على الشيء مقتضاه.
… في مطلق الاحوال، فإن التهديد وإطلاق الانذارات يزيدان الامور تعقيداً، ولا يوصلان الى أي شيء، وإن القول بالحسم كما عبّر رئيس كتلة "الوفاء للمقاومة" فإنه سيرتد سلباً على كل مناحي الحياة في البلاد، علماً أنه ثبت وبالملموس أن لا أحد في لبنان يستطيع إلغاء أحد، وإن أي جهة مهما امتلكت من قوة ومن أسلحة ستكون عاجزة عن حسم الامور على حساب الآخرين..
من كل ذلك، كنا نتمنى على قيادة "حزب الله" أن تكون أكثر هدوءاً وتتجه نحو عقلنة الخطاب السياسي، والذهاب الى حوار موضوعي مع باقي الاتجاهات السياسية، لأن في ذلك حماية للجميع ولمصلحة كل المواطنين.
… لقد آن الاوان ليدرك جميع اللبنانيين أن الحوار وحده هو الذي يعطي النتائج المتوخاة، ويمهد الطرق نحو تسوية تنهي كل الازمات، ولبنان المستقر هو مصلحة للجميع، ووجود دولة قوية هو وحده الذي يحمي الجميع.