يصر "حزب الله" على الاستمرار في سباقه مع الحقيقة… حقيقة أن "المحكمة الدولية" الخاصة بلبنان امر واقع لا مفر منه… وبدأت اوراقه الصفراء تسقط تباعاً عند كل محطة…
فقد حاول "الحزب" ممارسة ضغط معنوي على دول الاعتدال العربي وعلى رئيس الحكومة سعد الحريري ولوح بـ" 7 ايار مجيد" جديد ان لم يعملوا على وقف عمل المحكمة لا بل على إلغائها، ورمى تبعات اي فتنة على سعد الحريري شخصياً إذا لن يزيل المحكمة من الوجود، مدعياً ان بإمكان الحريري ذلك. واطلق العنان للسيناريوات "الهوليودية" على صفحات صحف "8 آذار" وعلى لسان جوقة ملحقاته التي راحت تتنقل من شاشة الى اخرى مهددة متوعدة…
وسرعان ما تبين له ان المحكمة الدولية اصبحت خارج حلبة الصراعات المحلية والاقليمية ومحاولات التعطيل والالغاء. فأي محاولة لـ"7 ايار" جديد من قبل "الحزب" وضربه عرض الحائط معادلة ان الاستقرار الامني في لبنان يشكل خطا احمر لدى المجتمع الدولي اشبه بضرب جنون، ستؤدي بـ"الحزب" الى الغرق مجدداً في مستنقع مواجهات مسلحة اهلية ضد لا احد، بل فقط في وجه المؤسسات العسكرية الشرعية، لأن قوى "14 آذار" اعلنت انها ستتصدى له بالوسائل السلمية وهي ادركت بعد تجربة 7 ايار 2008 ان عامل الوقت في حال كرر "الحزب" فعلته سيكون مقتلاً له وهو لا يستطيع اجتياح بيروت والبلاد من دون اي مواجهة، والاستمرار في عملته لأن السحر سينقلب على الساحر.
تمترس "الحزب" خلف ما يسمى بملف "شهود الزور" وراح يقوم بـ"عراضات" قانونية اين منها Dalloz، وحاول قلب الطاولة في مجلس الوزراء وفرضه بنداً اول، ليس للبحث بل لنقله الى المجلس العدلي، فيكون بذلك باباً لضرب مصداقية المحكمة الدولية والعودة بملف اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه وسائر الملفات الاخرى الى احضان القضاء اللبناني …
لكن هذه الورقة ايضاً يبدو انها بدأت تسقط مع وجود توجه لعقد جلسة الاربعاء المقبل بالتنسبق بين رئيس الجمهورية ميشال سليمان ورئيس الحكومة سعد الحريري، ومع اصرار رئيس البلاد على عدم التصويت بعد نفاذ صبرهما من محاولة اقناع فريق "8 آذار" ان اللعب بورقة الحكومة ينعكس بشكل مؤذ على مصالح الناس الحياتية.
فهل يلتزم "حزب الله" بالتضامن الوزاري ويحترم الاصول الديمقراطية ويخضع لرأي الاكثرية، ام يخرج من الحكومة مرة ثانية كما العام 2006 ويكرر خطوته الفاشلة التي لم تحقق مبتغاها باسقاط حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، فاستمرت الحكومة بتصريف الاعمال واستمر هو لـ 18 شهراً بعرقلتها وتحمل النتائج الناجمة عن ذلك؟!
وفي خضم تخبط "حزب الله" وفقدانه للاوراق تباعاً، امل "الحزب" إلهاء البلاد بملفات فرعية كالاتصالات والعملاء وتعليق المشانق وشريعة "شعبة المعلومات"، وراح يسعى الى كسب الوقت عبر التعويل من جهة على تأجيل صدور القرار الظني الى الربيع وعلى معادلة الـ" س – س" والحديث عن مبادرة سورية – سعودية ستشكل المخرج للازمة القائمة وتفرمل القرار الظني ويخوّن "القوات اللبنانية" ورئيسها الدكتور سمير جعجع الذي اصر ان لا مبادرة للـ " س – س" وان لا مخرج إلا " صنع في لبنان". إلا أن الرياح تسير بما لا تشتهي السفن:
1- القرار الظني يبدو على قاب قوسين او ادنى، وهذا ما اكده الهولندي هرمان فون هايبل الذي عينه الامين العام للامم المتحدة بان كي مون اخيراً رئيس قلم أصيلا للمحكمة، بقوله: "القرار الظني بات قريبا جداً جداً".
2- الهجوم على "شعبة المعلومات" وجدواها فقد مصداقيته بعد توقيف القيادي في "التيار الوطني الحر" العميد المتقاعد فايز كرم بتهمة العمالة لاسرائيل، ما اربك "حزب الله" ودفعه للاعتصام بالصمت. وشكل صدور القرار الظني عن المحكمة العسكرية بحق كرم وطلب الاشغال الشاقة الموقتة له من 3 الى 15 سنة صفعة قوية لمستهدفي "شعبة المعلومات".
3- لا مبادرة سعودية – سورية ولا بنود تعجيزية كما حاول التسويق اعلام "8 آذار"، هذا ما جزمه الرئيس السوري بشار الاسد من باريس واكده السفير السعودي علي عواض عسيري من بيروت، بل ثمة تواصل بين الرياض ودمشق يرتكز اولاً على ارادة اللبنانيين وجهدهم.
امام هذا المشهد السياسي، عوّل "حزب الله" على امكان لعب الرئيس السوري بشار الاسد دوراً من البوابة الفرنسية لاقناع الغرب بضرورة العدول عن المحكمة الدولية لاقتناعه بان السوري يبقى بوابة رئيسة، خصوصاً لفرنسا في الشرق الاوسط. إلا ان زيارة الاسد كانت اشبه بتبليغ ان لا تراجع عن "المحكمة الدولية" ولا تدخل في عملها والاستقرار اللبناني مهم جداً للمجتمع الدولي. فكان تحذير الاسد بعدها من ان يكون القرار الظني "مبنيا على شبهات او تدخل سياسي وعندها فلا احد سيأخذه على محمل الجد".
وامام هذا الواقع، اطل علينا رئيس "كتلة الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد الجمعة 10 كانون الاول 2010 في موقف أشبه ببيان رقم واحد لانقلاب إلهي، معطياً "مهلة ثلاثة أو أربعة أيام للفريق الآخر لانتهاز الفرصة قبل الموقف الحسم"، ولافتا إلى أن "الوقت بدأ يقصر وقد أدلينا بحجج وبراهين حتى لا نبقي لأحد ذريعة يتذرع بها". وأضاف: "موقف الحسم أصبح يقترب وعلى الجميع أن يراجعوا حساباتهم في ضوء رؤيتهم للمصلحة الوطنية ولمصلحة شعبهم". وتابع: "نحن نضع معادلة. المتعاون مع الظالم ضد المقاومة عليه أن يراجع حساباته. توجد فرصة حاليا قد تمتد يومين، ثلاثة أو أربعة، عليهم أن ينتهزوا هذه الفرصة، وإذا ما حان الوقت لموقف الحسم فإن لبنان سيدخل مرحلة جديدة، لذلك نحرص على أن يكون هؤلاء قد راجعوا حساباتهم قبل فوات الأوان".
فهل هذه المهلة مرتبطة بمعلومات لديه عن تاريخ تسلم قاضي الاجراءات التمهيدية دانيال فرانسين القرار الظني خلال ايام؟ ام هي مرتبطة بموعد الاطلالة المرتقبة للامين العام لـ"الحزب" السيد حسن نصرالله في ختام الايام العاشورائية؟ وهل هذه هي هدية "الحزب" ووثيقة تفاهمه مع التيار العوني لمناسبة الاعياد؟ اياً يكن… إنها "المهلة – الفرصة" ليعي "حزب الله" ان تهديده بالحسم ليس سوى انتحار ذاتي من قبله، فـ"الجرة لا تسلم كل مرة" كما جرى في 7 ايار 2008.