صحيح أنّ يوسف العظمة يوم رفع سيفه في وجه الإنتداب الفرنسي، صنع مجداً لسوريا، وسقط شهيداً، وإن لم يتحقّق الإستقلال إلاّ بعد حين، وصحيح أيضاً أنّ جبران تويني يوم رفع صوته في وجه الوصاية السورية، صنع للبنان مجداً، وسقط شهيداً، وإن لم يتحقّق الإستقلال إلاّ بعد حين. ولكن فليعذرني جميع السوريين وكذلك اللبنانيين، لأنّي أرى مفارقةً ما بين السيف والصوت، وهل تراه الصوت أصبح أمضى من حدّ السيف؟
إنّنا يوم اجتمعنا في ساحة الحرّية لأجل الدفاع عن لبنان العظيم، مسلمين ومسيحيين بعد فراق طويل طويل، زيّنّا أعناقنا بالأحمر والأبيض. لقد كان اللون يومها واحداً والصوت واحداً والمكان واحداً، ولكن هل كان لبنان واحداً؟ وهل كان السلاح في لبنان واحداً؟
جميلةٌ هي رواية الكاتب الأميركي "همنغواي" وداعاً للسلاح "A Farewell to arms" وأنصح الكثيرين بقراءتها، وعظيم أيضاً تاريخ إسبانيا، وأنصح الكثيرين بمراجعته، علّنا نستخلص منه وبالقياس بعض العبر: ألم يستشهد لوركا كما استشهد جبران لأنّه أراد أن يعبّر بحرية؟
في تاريخنا أسطورة طويلة عن اللون الأحمر والأبيض الذي زيّن عنق جبران، وما لبث أن شدّ على أعناقنا يوم انطلقنا لبناء لبناننا العظيم، سأروي لكم بعضاً من فصولها:
عندما كان البحّارة الفينيقيون يُطلّون بسفنهم قبالة السواحل اليونانية، كان اليونانيون يصرخون "Phoenix Phoenix" ومعناه باليونانية الأحمر، نسبةً إلى الأشرعة الحمراء التي تَميّز بها الفينيقيون عن غيرهم من الشعوب منذ فجر التاريخ. وعندما كانت سفن الإغريق تطلّ قبالة السواحل اللبنانية، كان البحّارة الإغريق ينادون بعضهم "Liban Liban" ومعناه باليونانية الأبيض، نسبة إلى قمم لبنان المغطّاة بالثلج الأبيض. هذا على الأقل ما كانت تقوله الأسطورة؛ هذه الأسطورة التي لم ترُق إلى قسمٍ من اللبنانيين فلم ترتقِ إلى مستوى الحقيقة. وإلى أن يتوافق اللبنانيون على حقيقة واحدة لتاريخ لبنان، ستظلّ الأسطورة سارية المفعول، وسيظلّ وجه جبران يشبه وجه لبنان، سيظلّ كالشراع الفينيقي الأحمر يمخر عباب الذاكرة، سيظلّ كجبال لبنان المغطّاة بالثلوج واقفاً يتلو القسم، ويوجّه تحية إلى كلّ لبناني وعربي توّاق إلى الحرية. تحية يرسلها جبران من عمق تاريخنا المناضل لأجل الحرّية. وأستذكر في النهاية بالرغم من اختلاف الزمن، رفيق حرّية جبران الراحل الكبير شارل مالك عندما قال: "إذا أردت أن تنتصر على شعب نسِّه تاريخه"، وهنا نقول للعالم بأسره، إنّ التاريخ الذي كُتِب بدماء جبران لن يُنتسى، ولن تمحوَه قوةٌ على وجه الأرض من ذاكرتنا.
