سلكت الازمة منحى مقلقاً وخطيراً منذ ان انحرف الصراع عن مساره السياسي وبدأ استخدام سلاح التعطيل، تعطيل المؤسسات الدستورية والسياسية من مجلس الوزراء إلى طاولة الحوار الوطني، ناهيك عن مجلس النواب الذي يغط في "سبات عميق" وإجازة مفتوحة… وليس المجال هنا لتحديد وتحميل المسؤوليات بين الفريقين اللذين يتقاذفان كرة التعطيل ويحاول كل فريق وضعها في ملعب الآخر، وانما المجال للفت النظر والانتباه إلى النتائج المترتبة على هذا الوضع الشاذ والانعكاسات السلبية على مسيرة الدولة وعمل مؤسساتها وعلى احوال واوضاع المواطنين الحياتية والاجتماعية والاقتصادية.
ومع بلوغ الوضع هذه المرحلة المتقدمة من الفوضى السياسية والجمود المؤسساتي تصبح الحاجة ملحة إلى فك ارتباط سريع بين الصراع السياسي والعمل المؤسساتي، بدءاً من استئناف جلسات مجلس الوزراء وكذلك جلسات هيئة الحوار الوطني. ومن المستغرب ان يحصل توقف في عمل الحكومة رغم وجود مسائل وملفات عدة حيوية وحساسة وتخدم مصالح الناس وتحتاج إلى بت ومعالجة سواء على المستوى السياسي مثل تحديد الموقف من قرار الانسحاب الاسرائيلي من الغجر، وعلى المستوى المالي مثل اقرار موازنة العام 2011 والتجديد لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة وبسرعة بحيث أصبح هذا التجديد ضرورة ملحة لحساسية الوضع المالي وتأثره بهذا القرار، او على المستوى الامني خصوصاً لجهة ملء المراكز الشاغرة مثل المديرية العامة للأمن العام وتفعيل عمل الاجهزة الامنية ودورها… ومن المستغرب ايضاً انه في الوقت الذي تتجه الانظار إلى "حوار قصر بعبدا" لتوسيع جدول اعماله وتحويله مستوعباً للخلافات و "اسفنجة" لامتصاص التوترات واطار لادارة الصراع السياسي وضبط إيقاعه، يتوقف هذا الحوار من دون اسباب وجيهة ومقنعة ويصار إلى استخدام طاولة الحوار منصة لممارسة الضغوط والمساومات، هذا دون ان نتحدث عن الامور الحياتية التي تخص اللبنانيين في حياتهم اليومية.
في خضم هذه الازمة وعلى هامشها، حدث اشكال جانبي لم يكن ليأخذ حجماً ويستحوذ على اهتمام المواطنين لو انه لم يحدث بين وزير الداخلية زياد بارود تحديداً ومدير عام قوى الامن الداخلي اللواء أشرف ريفي. وما حصل من "اشكال اداري" يمكن ان يحصل في أي وقت ومكان، وأي مؤسسة يمكن ان تشهد في وقت من الاوقات شيئاً من سوء التفاهم والتنسيق خصوصاً في ظل الانقسامات السياسية الحادة الموجودة في البلاد، لكن هذا لا يبرر ابداً شن حملة سياسية شعواء ضد وزير الداخلية لأن ذلك يكون كمن يصب الزيت على النار، إضافة إلى انه تعاط غير مستحب وغير مقبول وتدخل في الشؤون الداخلية لوزارة الداخلية.
وهنا يسأل البعض لماذا قوبل هذا "الاشكال" باهتمام الرأي العام اللبناني؟
الجواب بكل بساطة ان الرأي العام اللبناني حساس جداً تجاه أي مسألة او مشكلة يكون الوزير بارود طرفاً فيها. وكلمة حق تقال انه نادراً ما حظي مسؤول في الدولة بمثل ما حظي به زياد بارود من محبة و ثقة واحترام وتعاطف وتضامن من قبل اللبنانيين الصامدين الصابرين والطيّبين والمغلوب على أمرهم والذين يريدون قيام دولة حقيقية هي دولة الحق والقانون والعدل . فهذا الرجل "الآدمي" الآتي من خارج النادي السياسي والمتحدر فكراً وممارسة من المجتمع المدني، عُرف عنه منذ توليه وزارة الداخلية انه ملتزم تطبيق القوانين والعمل من ضمن المؤسسات وأُطرها، وانه لا يخلط بين شخصه كرجل متواضع ودمث الاخلاق ومثقف وبين موقعه كمسؤول فهو لا يقبل المسايرة والتهاون في ممارسة صلاحياته وسلطاته التي خوله إياها الدستور والقانون، خصوصاً وانه يشغل موقعاً سياسياً فائق الاهمية لا يحتمل أدنى تقصير في الاداء وخطأ في التقدير والموقف…
لقد عُرف عن المحامي زياد بارود انه شديد التعلق بالقوانين والمؤسسات، وللبنانيين ملء الثقة بأنه لا يتجاوز القانون ولا يتخطى حدوده وصلاحياته ولا يدخل في صفقات وسمسرات ولا يسيء يوماً استعمال السلطة التي بين يديه وانما يضعها في خدمة الدولة والمجتمع والانسان. ورغم انه ورث وضعاً بالغ التعقيد في اعتباراته وتوازناته السياسية والطائفية ومتخماً بالمشاكل المزمنة والمتراكمة على المستويين الاداري واللوجستي، حاول بارود جاهداً وبما أوتي من ارادة وعزم وامكانات على إدخال تحسينات كثيرة إلى اداء وزارة الداخلية ورفع مستواها وانتاجيتها. وحتى اذا اعترضه نقص في القوانين والامكانات والذهنيات كما الحال في مشكلة حوادث السير حيث انطلق جاهداً مثابراً لتحسين ما يمكن تحسينه حتى لو تطلب الامر منه كثيراً من الاحيان ان "ينزل إلى الارض" شخصياً ويقوم بجولات تفقدية ميدانية بحيث يتفاعل عن كثب مع أراء الناس وحاجاتهم وشكواهم.
واذا كان الوزير بارود يتمتع بحس المسؤولية الوطنية، فإنه يتمتع ايضاً وهذه فرادته وميزته، بحس انساني مرهف فهو قريب من المواطنين يعيش معاناتهم ويعمل على مساعدتهم ويبقى على اتصال معهم، يتعاطف مع الناس المنكوبين والمصابين ومع احوال السجناء واوضاعهم، وحتى انه يتعاطف مع الطبيعة وهي تحترق ويتحول اخضرارها إلى رماد أسود . ويأبى الا ان يقف مع المواطنين ورجال الدفاع المدني وعناصر الجيش اللبناني في الخطوط الامامية للحرائق التي أدمت قلبه وقلب كل لبناني مخلص لوطن الارز "والسنديان والزيتون" ومؤخراً عندما شبت الحرائق في انحاء مختلفة من لبنان لم يغمض له جفن وبقي حتى ساعات الفجر الاولى مع عناصر الاطفاء وعناصر الجيش الابطال على الارض ميدانياً ولم يعد إلى منزله إلا بعد ان اطمئن إلى سلامة ابناء المناطق المنكوبة واخماد الحرائق نهائياً…
في هذه الصفات يتشابه الرئيس ميشال سليمان والوزير زياد بارود ويتشاركان . والمفارقة هنا ان الرئيس سليمان الذي أبى إلا ان يتفقد شخصياً حريق فتري الاسبوع الماضي كاد ان يدفع حياته ثمناً لذلك عندما أنفجر خط التوتر العالي الكهربائي وسقط على الارض نتيجة للحرائق الكبيرة وذلك بعد ثوان من مرور موكب رئيس الجمهورية في المكان نفسه ولولا صلوات والدته التي ترافقه دائماً ومحبة وصلوات اللبنانيين له ولولا العناية الالهية لكان لبنان وقع في كارثة كبيرة لا يمكن لأحد ان يعرف عقباها "لا سمح الله"… والمفارقة ايضاً ان ما يتعرض له الوزير بارود ويصيبه من سهام الانتقادات والحملات تجنياً وافتراء، اشبه بما يتعرض له الرئيس سليمان وللاسباب ذاتها ومن الخلفيات نفسها تقريباًَ. فالرئيس سليمان الذي يمارس دوره ويتصرف من موقعه انطلاقاً من المصلحة الوطنية العليا وما يمليه عليه ضميره اولاً والدستور ثانياً ومن دون ان ينحاز إلى طرف سياسي ضد آخر ومن دون ان يساير طرفاً على حساب القوانين والانظمة، يظل عرضة للحملات والانتقادات من هذا الطرف السياسي أو ذاك والتعاطي المزاجي والمتقلب معه من اطراف يصفقون له إعجاباً اذا كانت مواقفه تناسب مصالحهم وتخدمها، ويصفرون له استهجاناً اذا كانت مواقفه لا تناسبهم ولا تصب عندهم وهذا ما اصاب ويصيب زياد بارود الوفي لرئيس الجمهورية والسائر على خطاه في كل مرة يأخذ فيها موقفاً من حدث معين.
الرئيس سليمان ثابتاً في موقعه المتوازن وفي دوره التوافقي، وغيره هم المتحركون والمتغيرون . يقتربون منه ويقترب منهم اذا اقتربوا هم من دولة القانون والمؤسسات وتصرفوا من وحي المصلحة الوطنية واعتمدوها مقياساً لأقوالهم وأفعالهم، لمواقفهم وممارساتهم . أما اذا فعلوا العكس فإنهم يبتعدون حكماً عن رئيس الجمهورية وكل المحيطين به والمحسوبين عليه ويشعرون بالمسافة الفاصلة والهوة الواسعة التي لا يردمها التودد والترغيب ولا الضغط والترهيب.
رحم الله من قال: لا مكرمٌ في وطنه، ولا تبنى الاوطان على الحقد والكراهية والحسد والنميمة (و ما اكثرهم في بلادي)، طبعاً هنا لا أعني الناس الطيّبين والمواطنين الذين لا حول لهم ولا قوة بل اعني هؤلاء الذين لا يفتشون سوى عن مصالحهم الشخصية والخاصة وحصصهم في الصفقات، واذا كان الشيء بالشيء يذكر فلا بد لي من القول بأن ما كتبته اليوم يأتي بعد حملة غير مبررة ولا مقبولة على زياد بارود من بعض السياسيين في لبنان في وقت يكرم هذا الرجل في البلدان الصديقة وقد كان لافتاً صدور مرسوم عن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بالامس منح بموجبه بارود وسام الاستحقاق الفرنسي من رتبة جوقة الشرف تقديراً لأنجازاته الرائدة في وزارة الداخلية… أليست غريبة هذه المفارقة؟
واخيراً سيكتشف اللبنانيون عاجلاً أو آجلاً بأن الرئيس سليمان الذي كان له الفضل في اكتشاف الوزير بارود وفي كسر تقاليد سياسية موروثة كان مصيباً في خياره، وإن هذا الرجل الذي يتحمل اليوم مسؤولية وزارة الداخلية لا يدخل في سجالات ومهاترات بل يضع نصب عينيه أمن المواطن و سلامة الناس و المحافظة على القوانين، وهو لا يحيد عن هذه المبادىء والاخلاقيات مهما اشتدث الضغوط وقست الحملات… فهذه إلى انكشاف وزوال، وسيكتشف اصحابها بعد حين الخطأ الذي وقعوا فيه…
كوت:
1. سليمان ثابتاً في مواقفه وغيره هم المتحركون والمتغيرون.
2. لا تبنى الاوطان على الاحقاد والكراهية والحسد والنميمية.
3. الحاجة ملحة لفك ارتباط الصراع السياسي عن العمل المؤسساتي.
4. طاولة الحوار "اسفنجة" لامتصاص الخلافات والتوترات والصراعات.