كتب المحلل السياسي في صحيفة "اللواء":
هل يمكن لسعد الحريري، ليس كرئيس لمجلس الوزراء اللبناني، وليس كرئيس مفترض لكتلة "لبنان أولاً" النيابية، ولكتلة المستقبل، وكإبن للرئيس المغدور الشهيد رفيق الحريري أن يُعلن أن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، للنظر في جريمة اغتيال والده في 14 شباط 2005، وبالنظر في سائر الجرائم المترابطة والتي حصدت عدداً من الشخصيات النيابية والإعلامية والسياسية والحزبية والعسكرية، لا تعنيه، وأن لبنان لن يتعامل مع قراراتها وأحكامها، بصرف النظر عن الأدلة والقرائن التي تُعلنها أو تلفظها المحكمة نظراً لانعكاساتها السلبية على استقرار الوضع الداخلي، لا سيّما لجهة اتهام عناصر من حزب الله، أو يُعلن الحريري الموقف بصورة متباينة مع الصيغة الأولى، من أنه لن يقبل باتهام عناصر من الحزب، بصرف النظر عن الأدلة، قوة أو ضعفاً، ليفتح طريق التسوية مع الحزب، وفقاً لتأكيدات أكثر من قيادي من الحزب مع هذا التوجّه؟
شهدت الساعات الماضية تزايداً في ضغط الحزب، نواباً ومسؤولين، ومتحدثين، في المناسبات الكربلائية، وكأن القيامة ستقوم، ما لم يُقدم الحريري على ما "يجب أن يُقدم عليه"، وهو يعرفه جيداً، بعدما أقدم الحزب على عدة خطوات، التزم بها.. وإلاّ فالويل والثبور وعظائم الأمور؟!
يكاد المراقب، الذي يستمع الى الخطابات الحزبية، يحار في أمره، فإذا كان ملف "الشهود الزور"، الذي عاد ليتصدر جلسة مجلس الوزراء، المفترض أن توجّه الدعوات، رسمياً، لانعقادها الاثنين، لا يكفي للتقليل من تصاعد التوتر الخطابي، المتوقع أن ترتفع وتيرته قبل جلسة الأربعاء، فإنه من المتعذّر الى حدّ الإستحالة أن ينبري الرئيس الحريري الإبن الى خطوة في المجهول، كأن يستبق قرار المحكمة، سواء أكان عبر الإحالة من القاضي المدعي العام لدى المحكمة دانييل بيلمار الى قاضي "التعارضات" أو الإجراءات التمهيدية الفرنسي دانييل فرانسين، أو عبر إمكانية تسريب مضمون الإدعاء، قبل أن يتبنّاه فرانسين، ويُحيله الى المحكمة التي لا يتوقع رئيس القلم فيها هايبل أن تبدأ أعمالها، وتطلق جلساتها قبل الخريف المقبل .
يشبّه دبلوماسيون غربيون وضع الحريري قبل صدور القرار، وهو يتعرّض لضغوطات قوية من المعارضة، على أكثرمن جبهة، من بينها مجلس الوزراء، بأبطال "مسرحيات شكسبير" حيث تبدو الخيارات كلّها صعبة أو متساوية في الصعوبة• فالحريري، تغريه المعارضة بالحكم، وباستئناف عمل مجلس الوزراء، وتمرير التعيينات والموازنات المتوقفة، وقطع الحساب، أو تعطيل الدولة، والتمهيد لإخراجه من السلطة، إمّا بانقلاب سلمي أو بانقلاب من نوع آخر..
يتحدث هؤلاء الدبلوماسيون عن صعوبة اللحظة التاريخية للحريري، فهو إزاء قضية تعنيه مباشرة، والقضية هي قضية أبيه، وليس أي شخصية أخرى، فكيف يمكنه أن يتصرّف؟!
ويمضي هؤلاء الى القول أنه إذا كان حزب الله ليس بإمكانه المساومة على المقاومة، وهذا حق من وجهة نظـره، فإن سعد الحريري، ليس بإمكانه قطّ المساومة على دم أبيه، وهذا حق قانوني وطبيعي وشرعي في آن معاً…
هنا، تبدو المعالجة صعبة، وهنا تتحرك المساعي في دوائر مغلقة، وضيّقة بالمسارب والمسارات•ويُعرب وليد جنبلاط عن ارتياحه لسرّية المبادرة السورية – السعودية في حين ينفي الرئيس بشار الأسد بعد لقائه مع الرئيس نيقولاي ساركوزي في الإليزيه وجود مبادرة، ويتحدث عن تنسيق وتشاور، متعدّد الأضلاع بين السعودية وفرنسا، وسوريا وفرنسا، معتبراً أن الحل يكون لبنانياً أو لا يكون، الأمر الذي فسّرته الدوائر المسؤولة في حزب الله والمعارضة بأنه يعني أن على الرئيس سعد الحريري المبادرة أولاً…
عشية الأزمة الكبرى، التي لم تعد تُقاس بالأشهر أو الأسابيع، بل بالأيام والساعات، انضمّ السفير المصري أحمد البديوي الى نظرائه السعودي علي عواض عسيري، والسوري علي عبد الكريم علي، والإيراني غضنفر ركن أبادي، للبحث عن أساليب التقريب بين أفكار الحريري وحزب الله، بعدما انحصرت الأزمة بين التيارين، والقياديين نصر الله والحريري، في معرض البحث عن نقطة التقاء للخلاص…
في البُعد الدولي للأزمة الكبرى التي يهدّد هبوبها الإستقرار اللبناني كان من المحرّك للريبة، ما أُعلن عن اجتماع بين وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون وناظر القرار 1559، الذي أودى بحياة الحريري وكان السبب وراء الإغتيالات، وفقاً لما يراه أيضاً جنبلاط (بعدما خرج من ثورة الأرز والحلف الامبريالي مع قوى 14 آذار)، إذ تفيد المعلومات أن هيلاري بحثت مع لارسن ما يمكن عمله في مجلس الأمن، نظراً لخبرته في الملف اللبناني، بعد صدور القرار، ورفض حزب الله له جملة وتفصيلاً.
يكاد المشهد اللبناني، يقترب من الإنفجار مع اقترابه من القرار.. في نظر المتشائمين، أو من تجاوز القرار يثبّت الاستقرار، في نظر المتفائلين..
ساعة الحقيقة بين الطرفين أزفّت، كما أزفّت ساعة الحقيقة الأولى؟!