#adsense

شراء أراضي المسيحيين بين التوازن وصمت التفاهمات…”النهار”: عقارات العمارية – الرويسات تفجّر بلدية الجديدة

حجم الخط

كتب بيار عطاالله في صحيفة "النهار":

على مثال اهل القسطنطينية في الجدل البيزنطي الشهير على جنس الملائكة فيما كانت جيوش بني عثمان تحاصر مدينتهم، الى ان تمكنت من اسقاطها وتغيير مسار التاريخ، هكذا يغرق المسيحيون اللبنانيون في الجدل والصراعات والتنافس على تعزيز مصالحهم الشخصية والخاصة، فيما تتغير خريطة التنوع اللبناني من حولهم ميدانياً وجغرافياً، وقد يفيقون يوماً على ضمور انتشارهم الديموغرافي وحضورهم الاجتماعي الذي اراده الاجداد المؤسسون على مساحة العيش المشترك في كل انحاء لبنان.

ما تتناقله وسائل الاعلام عما يجري في ساحل المتن وتحديداً في منطقة العمارية – الرويسات وصولاً الى النبعة – برج حمود ليس الا جزءاً مما يصيب الانتشار المسيحي في كل لبنان، من عكار الى البقاع وصولاً الى الجنوب وجبل لبنان، حيث تنشط عمليات شراء الأراضي بالجملة والمفرق مستغلة جملة هواجس ومخاوف، تعززها الاخبار الواردة من العراق عن حال مسيحييه ومأساتهم التي تكاد أن تشبه التطهير العرقي والديني. ولا تنسى سيل اشاعات يروجها السماسرة وتجار العقارات الذين وصفهم متروبوليت عكار للروم الارثوذكس المطران باسيليوس منصور بأنهم "بلا شرف"، في معرض دعوته ابناء عكار الى عدم بيع اراضيهم تحت تأثير المغريات. ولو اقتصرت المسألة على سماسرة العقارات لكانت الامور مبررة بأن يوضاس خان السيد المسيح واسلمه الى اليهود بثلاثين من الفضة، لكن اسوأ ما في الامر ان الارض اصبحت تسخّر لخدمة الاغراض السياسية الخاصة.

الاجتماع او البلدية

يشرح اهالي جديدة المتن، بحسرة المقهورين، ان بلدتهم التي تشكل عملياً عاصمة المتن ووجهه الحضاري والتجاري والثقافي ومركز الثقل الاجتماعي فيه تضمحلّ امام اعينهم دون ان يتمكّنوا من القيام بأي شيء بسبب إرادات نافذة اقوى من ارادتهم، تسعى في غفلة من الزمن وبرعاية اطراف سياسيين فاعلين الى فرض ارادتها عليهم واكراههم على الانصياع، بالقوة او بالحيلة، لما قد يغير وجه جديدة المتن ويخل بالتوازن الوطني مرة واحدة ونهائية وربما الى الابد، وهذا ما دفع 11 عضواً من المجلس البلدي في بلدية الجديدة – البوشرية – السد، من 21 يشكلون اكثرية اعضاء المجلس، الى رفع استدعاء الى رئيس البلدية انطوان جبارة لمطالبته بتعيين جلسة للمجلس البلدي ببند واحد في مهلة لا تتعدى العشرة ايام من تاريخ تسجيل الطلب (26 تشرين الثاني 2010) واتخاذ القرار المناسب في شأن اتخاذ قرار بوضع منطقة العمارية – الرويسة ومحيط قصر العدل تحت الدرس فنياً.

لكن المجلس البلدي لم يجتمع رغم مرور مهلة الايام العشرة، ولا يبدو ان رئيس البلدية سيدعو الى اجتماع في المدى المنظور، وهو ما يطرح جملة خيارات صعبة على موقّعي الاستدعاء، تبدأ بتقديم طلب الى سلطة الوصاية (اي وزارة الداخلية) لالزام البلدية عقد الجلسة، وصولاً الى رفع شكوى امام القضاء ضد رئيس البلدية لالزامه عقد جلسة للمجلس البلدي، انتهاءً بتقديم استقالة جماعية على ما يؤكد احد الاعضاء لـ"فرط البلدية في اقصى الاحتمالات واحالتها على عهدة القائمقام لاجراء انتخابات جديدة". ويتردّد ان ثمة اكثرية ساحقة تضغط في هذا الاتجاه لاعادة ترتيب الوضع في الجديدة البوشرية.

بين فكّي كماشة

اصل المشكلة اصبح معروفاً للمتابعين، ولمن لا يعرف فهو يختصر في قطعة الارض التي تضم 11 عقاراً (539 – 540 – 541 – 542 – 543 – 544 – 545 -546 – 547 – 548 -549 ) في منطقة العمارية – الرويسات إلى جانب قصر العدل في الجديدة، والتي باعها جان ابو جودة من "المؤسسة الاسلامية للتربية والتعليم" التي يرأسها وزير الزراعة حسين الحاج حسن. وكان للمسألة ان تتم بهدوء مثل اي عملية بيع اراضٍ، لكن طبيعة الشاري وعدم اتضاح المقصد او الهدف من شراء تلك البقعة الملاصقة لمنطقة الرويسات، التي يسيطر عليها "حزب الله"، أثارا مخاوف الاهالي من ان تؤدي عمليات شراء الاراضي المكثفة والمجهولة في تلك الناحية الى ربطها بمنطقة حي الزعيترية المجاور، بما يجعل الجديدة والبوشرية والسد والفنار، وتالياً كل منطقة ساحل المتن، بين "فكّي كمّاشة" تطبق عليها وتعزلها عن وسط المتن واعاليه، ويؤدي ذلك لاحقاً الى قيام ضاحية شرقية او غيتو منعزل في تلك الناحية. وما عزز هواجس الاهالي كان الكلام الذي راج عن السعر البخس لعملية البيع، والذي يصفه العارفون بأنه يكاد ان يشبه "الهبة" او التقدمة، اذ يراوح سعر المتر المربع هناك بين 1000 و1500 دولار اميركي، وما قيل عن ثمن الصفقة لا يعادل ذلك. وقد أثارت ريبة الاهالي واعضاء المجلس البلدي المعلومات التي تأكدت عن شراء مجموعة عقارات جديدة باسم شخص من آل هزيم لبناء 24 وحدة سكنية. وعلى ذمة الاشاعات المتداولة بين الاهالي، ثمة من يخشى وجود رابط خفي بين هذه الصفقات الضخمة كماً ونوعاً، وتحديداً بين السيدين ابو جودة وهزيم، وخصوصاً ان آل ابو جودة، على ما يقال، يملكون اسهماً في كل عقارات تلك الناحية، ما أثار حفيظة اعضاء المجلس البلدي والاهالي المعارضين والمرتابين في كل ما يجري، وخصوصاً ان المجلس البلدي السابق اتخذ قراراً بزيادة عامل الاستثمار في تلك المنطقة، مما يحولها غابة من الاسمنت والمجمعات السكنية الشعبية.

الأرمن والتيار وحق الشفعة

اول المعترضين على ما يجري كان الارمن بواسطة ممثلهم في مجلس البلدية جاك كلترشيان الذي سجل اعتراضه على ما يجري، علماً ان الارمن لهم حضور وازن في ساحل المتن، وثمة حي ارمني بالكامل ملاصق للعقارات التي اشترتها "المؤسسة الاسلامية" وهزيم. ويقال ان الارمن يعتبرون ان لهم "حق الشفعة" وتالياً يجب سؤالهم عما اذا كانوا يريدون الشراء قبل ان يتقدم اي شار اخر. ويقول احد اعضاء البلدية المعترضين: "ان ما يدعو الى الريبة في ما يجري ان المؤسسة الاسلامية لم تعلن عن نيتها بناء المدارس قبل اثارة موضوع شراء العقارات عبر وسائل الاعلام، فإذا كانت اهدافها كذلك فلماذا لم تعلن الامر منذ شراء الاراضي قبل مدة!؟".
المفارقة الكبرى في ما يجري ان "التيار الوطني الحر"، الذي يحظى بشعبية لا بأس بها في الجديدة، يواجه مأزقاً جدياً في هذه المسألة. فالتيار الذي قدم قانون تملك الاجانب يقف صامتاً ازاء ما يجري في ساحل المتن، رغم الحملات الصاخبة التي يقوم بها النواب العونيون في جزين وبعبدا ضد بيع العقارات، وتحديداً من غير المسيحيين، كما يصر النائب ميشال عون على رفع شعار: "أرضي هويتي". ويقول احد المعترضين في المجلس البلدي من المقربين من "التيار الوطني الحر" إن موقف قيادة التيار غير مفهوم، وثمة تبرير لديها لما يجري على قاعدة التحالف او التفاهم مع حزب الله، وان مشروع البناء يقتصر على مدرسة فقط". ويضيف: "ما دامت الامور كذلك فلماذا هذه السرية في عمليات البيع والشراء والحصول على رخص البناء؟ ولماذا محاولة التعمية والتغطية بواسطة احد التجمعات السياسية الناشئة المحسوبة على التيار؟ ولماذا التستر على مشاريع شراء المزيد من العقارات ومحاولة الحصول على رخص بناء بالسر ايضاً؟ ومن هو السيد هزيم؟

وسط لعبة الاسرار هذه، وتكتم رئيس البلدية ورفضه عقد جلسة للمجلس البلدي، واتجاه البعض الى مواقف تصعيدية، تحتشد الاكثرية الساحقة من الاهالي وراء مطلب وضع منطقة العمارية الرويسات قيد الدرس وتصنيفها، ويشاع ان تأخير الاجتماع من جانب جبارة والمماطلة سببهما انتظار صدور التراخيص عن التنظيم المدني، لكي يصار الى اطلاق مشاريع البناء دون الاخذ برأي الاهالي. ويقال في الجديدة إن السياسيين الذين يتعاطون هذا الملف لا يأخذون في الاعتبار التوازنات الوطنية ولا الهواجس الطائفية، انما يعملون على "بيع المواقف في السياسة"، ويضيفون: "ان محاولة كسر التوازنات الطائفية هي الطائفية في ذاتها". ولسان حال ساحل المتن ان من يريد ان يتبرع ويبيع ويشتري فليبع في منطقته وبلدته وليس في الجديدة والبوشرية.

اما الحل فمثلث الأضلع، كما يتم تداوله، فإما استرداد قطعة الارض المبيعة، وإما بناء فرع للجامعة اللبنانية او مجمع مدارس رسمية او ثكنة للجيش في تلك البقعة، وإما اصدار قرار بوقف بيع الاراضي من خارج المنطقة منعاً للتوترات المذهبية والطائفية، وللاخلال بالتوازن الوطني.

المصدر:
النهار

خبر عاجل