#adsense

“حرب المهلتين”… ومحظوران

حجم الخط

ثمة طبيعة "عجائبية" شهيرة للتركيبة اللبنانية تجعلها غالبا عصية حتى على فهم العرب، فكيف بسائر "الأجانب"، وهي قدرتها الدائمة على المزاوجة بين تسوية اللحظة الاخيرة وفتيل اللحظة القاتلة معا. وهي طبيعة مرضية بطبيعة الحال لان هذه التركيبة تغدو مانعة لدولة تمنع هذا المزاج الانتحاري من التحكم الدائم بالاستقرار.

لذا يبدو من التسرع حكما توقع ما ستفضي اليه "جلسة حاسمة" لمجلس الوزراء الاربعاء المقبل من رسم لخط فاصل لأزمة تتسارع خطاها نحو العنوان الذي وضعه لها "حزب الله" بوضوح وهو لبنان ما قبل القرار الاتهامي بتسوية او لبنان ما بعده من دون تسوية. ولا ندري بعد كيف يمكن ان تستوي "تسوية" حتى لو احيل ملف "شهود الزور" على المجلس العدلي فيما بات بحكم اليقين ان القرار الاتهامي قد انجز في مسودته الاولى.

والحال ان لبنان ولج في ايامه الاخيرة "البقعة الحمراء"، ولا مجال لإنكار هذه الحقيقة. وهو امر يرتب قراءة واقعية لا مكان فيها حتى للمواقف المبدئية وأدبياتها التي صارت مسبوقة بوضع حد مبكر للعد العكسي الذي كان يفترض ان يبقى مفتوحا حتى كشف مضمون القرار الاتهامي للمحكمة الخاصة بلبنان.

في هذا السياق بدا، تطورا مثيرا للاهتمام، ان ينيط "حزب الله" برئيس كتلته النيابية محمد رعد مهمة اطلاق النفير ما قبل الاخير على امتداد الاسبوع الماضي وصولا الى التهديد – الانذار بمهلة اربعة ايام اخيرة… والا حتى لو جرى التراجع عنها لاحقا. هذا التراجع يعني بوضوح ان الحزب وضع لبنان برمته، عبر رئيس الحكومة سعد الحريري وضمنا رئاسة الجمهورية، بين رحى "حرب المهلتين". المهلة التي حددتها المحكمة لمسار القرار الاتهامي الموشك "قريبا جدا جدا" على ان يسلم الى قاضي الاجراءات التنفيذية، وهي ستة الى عشرة اسابيع. والضغط الذي باشره الحزب عكسيا "للمطلوب الواحد" من الحريري وهو قلب الواقع السياسي اللبناني على المحكمة، والا فثمة شيء ما سيحصل.

في ذلك يفترض ان الفريقين يدركان تماما حجم محاذير الخطأ امام محظورين اشبعهما كل منهما درسا، ولكن لحظة الحدث وحدها ستكشف ما قامت به "الغرف الخلفية" وامتداداتها الخارجية لدى كل منهما لمواجهتها.

فاذا كان من المستحيل اولا على رئيس الحكومة وفريق 14 آذار ان يقبل بأي تسوية تقوض المحكمة ومبدأ العدالة، فان ذلك لن يوفر وحده بالمعايير الواقعية القاسية والصارمة صمام امان لهذا الفريق ان هو اخطأ في تقدير الانذارات وحتى التهديدات التي شرع "حزب الله" في اطلاقها. لا بل اي تقليل لإمكانات قيام الحزب بعمل ما ميداني، ايا تكن طبيعته، ستشكل المحظور القاتل لقوى 14 آذار.

في المقابل، اذا كان يستحيل ايضا على "حزب الله" ان يمرر قرارا اتهاميا يبدو لديه كأنه بات القرينة القاطعة على انه يطاول عناصر فيه، فان ذلك لن يوفر له ايضا، وبالمعايير الواقعية الصارمة نفسها، اي تبرير واهم لكسب معركة الانقلاب على القرار ان هو توسل لذلك مجددا طريق القوة والعنف في الداخل حتى من طريق "جراحة" عاجلة يظن انها تحول دون تفجير حرب اهلية. وحسبه في ذلك انه سيفتح على نفسه مع لبنان مهالك مخيفة لا يقوى على احتوائها حتى بتفوقه العسكري.

عند هذين المحظورين، يقف لبنان تماما مع مطالع "حرب المهلتين". ولعل الأسوأ في هذا الواقع ان احدا لا يدري ما هي "الوصفة" العجائبية لتجنب السقطة القاتلة في مهاوي المجهول.

فاذا كانت خمس سنوات من صراع لا يستكين عجزت عن توحيد المفهوم البديهي للعدالة لدى الفريقين المتوثبين عند لحظة الحقيقة، فان لا ايام اربعة ولا عشرة اسابيع ولا عشرات السنين ستكفل حلا عجائبيا. وهنا تماما مكمن المرض اللبناني المستعصي. وليس غريبا والحال هذه ان نغدو جميعا في كماشة الاستحالات، ولا احد يمكنه ان يحسد احدا على هذه المبارزة، بعدما عادت التهديدات والانذارات اشبه بعد عكسي لامر عمليات يطل برأسه "القتالي" عند باب نصف مفتوح على الهاوية.

المصدر:
النهار

خبر عاجل