بعد انتهاء أعمال السينودس في الفاتيكان بشأن مسيحيي الشرق الأوسط الذي ترأسه البابا بنديكتوس السادس عشر، وفي ضوء استمرار تعرّض مسيحيين في العراق وحتى في مصر الى المتاعب والاستهدافات الأمنية، رفعت الكنائس العربية علامات استفهام بخصوص ما إذا كانت هناك آفاق جديدة لحوار اسلامي مسيحي . وذهبت علامات الاستفهام هذه الى أبعد من ذلك لتطرح تساؤلات بشأن ما إذا كانت هناك جدوى من هذا الحوار.
وتشير هذه التساؤلات الى أن الآفاق الحالية للحوار محدودة السعة، ومنخفضة السقف، وانها بالتالي لم تؤدِ الى ما يفترض ان يؤدي اليه الحوار الاسلامي المسيحي، من اطمئنان وسلام.
تعكس هذه المشاعر ذاتها في ظاهرتين خطيرتين. تتمثل الظاهرة الأولى بالهجرة المسيحية من الشرق والتي أدت الى خفض نسبة المسيحيين الى عدد سكان المنطقة من 20 في المئة في القرن الماضي الى عشرة في المئة الآن.
وهي تعكس ذاتها أيضاً من خلال توالي استهداف مسيحيين بالعدوان في بعض دول المنطقة، وفي ما تتسبب به تداعيات هذه الاستهدافات من تعريض النسيج الوطني الاسلامي المسيحي للتفكك والإنحلال : من العراق الى السودان. ومن فلسطين الى مصر.
وتتمثل الظاهرة الثانية في الاسلاموفوبيا، ومن علاماتها ارتفاع حدة كراهية المسلمين في الغرب، وصعود أحزاب التطرف اليميني القلقة من الحضور الإسلامي والرافضة له. وتطلق هذه الظاهرة ردود فعل اسلامية يشعر مسيحيو الشرق انهم يتصدرون لائحة ضحاياها. ذلك ان ثقافة فك الارتباط بين الغرب والمسيحية، وبين مسيحيي الشرق ومسيحيي الغرب، غالباً ما تقف خارج الأبواب الفكرية للعديد من الحركات الاسلامية المتطرفة. وكلما غرقت هذه الحركات في المزيد من التطرف والغلو، تتوغل أكثر في غياهب ظلامية تحجب عنها رؤية الحقيقة الساطعة، وهي انه لا الغرب يمثل المسيحية، ولا مسيحيو الشرق هم امتداد لمسيحيي الغرب.
في الأساس، فان الحوار في المطلق هو فن البحث عن الحقيقة في وجهة نظر الآخر. والآخر لا يكون آخر إلا إذا كان مختلفاً. والاختلاف بين الناس قائم ومستمر بإرادة إلهية. وسيبقى وبإرادة إلهية ايضاً حتى نهاية الزمن. ولذلك فان هدف الحوار ليس الغاء الاختلاف لأن ذلك هو بمثابة تحدٍ للإرادة الإلهية، ولكن هدفه هو إرساء قواعد فكرية شرعية ولاهوتية للاعتراف بالاختلاف ولاحترام المختلَف معه، وتالياً للعيش معه بكرامة ومحبة.
إن اعتماد هذا التعريف للحوار، يتضمن إقراراً بأننا لا نملك كل الحقيقة. وبأننا نبحث عنها. وبأن البحث يقودنا الى وجهة نظر الآخر المختلف، حيث قد نجدها فيه وعنده. وهذا وحده يؤسس لاحترام الآخر ولاحترام وجهة نظره المختلفة. وفي الثقافة الإسلامية "ان رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري المخالف خطأ يحتمل الصواب"، كما قال الإمام الشافعي. وفي الثقافة الإسلامية ايضاً أن "الحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدها فهو أحق الناس بها ". ليس بمعنى احتكارها، بل بمعنى وجوب البحث عنها في كل فكر وفي كل رأي وفي كل اجتهاد.. حتى إذا وجدها كان من واجبه أن يلتزم بها.
أما على صعيد الجماعة الوطنية فان الأوطان تقوم على قاعدة الحق والمساواة بين المواطنين. ان احترام هذه القاعدة هو الذي يجعل من آفق الحوار بين الجماعات المتعددة في الوطن الواحد، سواء كان التعدد دينياً أو عنصرياً أو ثقافياً، أو كل ذلك مجتمعاً، أفقاً رحباً ومفتوحاً دائماً على الصالح العام وعلى الخير المشترك.
لا يمكن للتسامح على ما فيه من فضائل- أن يكون بديلاً عن الحق، وعندما يحدث ذلك فانه يضيّق من آفاق الحوار ويضع المتعايشين المتحاورين، تحت رحمة مزاج المتسامِح. ثم ان التسامح قيمة نسبية متحركة ومتغيرة وفقاً لتغير الظروف والأحوال والمعادلات. اما الحق فانه قيمة مطلقة ثابتة وأصيلة مهما تغيرت الظروف والاحوال، ومهما تبدلت المعادلات.
من أجل ذلك فإننا نتحاور من أجل تحديد الحقوق ومن أجل وضع وإقرار صيغ وآليات تضمن احترام هذه الحقوق والالتزام بموجباتها، ولا نتحاور من أجل أن يتسامح بعضنا مع بعضنا الآخر. أو من أجل أن يمنّ بعضنا بتسامحه على بعضنا الآخر.
ان الحوار الوطني الذي يقوم على قاعدة الحقوق يسلم من الاختناق تحت أي سقف. وهو لا يضيق بأي حدود. ولا يتأثر بأي متغيرات. ولا يلتوي تحت ضغط أي ضغوط أو أي مغريات. ولذلك فهو حوار صحي يعزز البنية الوطنية ويتعزز بها.
أما الحوار الذي يقوم على قاعدة التسامح بمعنى تحمل الآخر، والتجاوز عما يُعتقد انه يتمتع بما هو ليس حقاً له، فانه حوار استرضائي سريع العطب. تنتهي مفاعيله مع انتهاء الظروف التي تمليه. ولذلك فهو معرّض دوماً للاختناق استجابة لمستلزمات المتغيرات التي تطرأ على أوضاع أحد طرفي الحوار أو على كليهما، سواء كانت متغيرات ديموغرافية (الهجرة) أو عقائدية (التطرف والغلو) أو سياسية (أحلاف ومعسكرات) أو حتى تحت ضغط الرسائل المتبادلة بين أطراف خارجية لها امتدادات داخلية (الحالة اللبنانية).
أما الأمر الثاني والذي يتعلق بالحوار الاسلامي المسيحي تحديداً، فان أهميته تكمن في كونه حواراً بين مؤمنين حول أسس عيشهم المشترك. وهذا لا يعني انه حوار ديني في اللاهوت والشريعة، ولكنه حوار حياة ينطلق من القواعد الإيمانية لكل من المسيحية والاسلام ومن الالتزام بما تقول به هذه القواعد، وهو يعني أيضاً ان المسيحي المحاور يجب أن يكون أولاً مسيحياً ويجب أن يكون مؤمناً بمسيحيته. وكذلك المسلم. يجب أن يكون مسلماً ويجب أن يكون مؤمناً بإسلامه.
وانطلاقاً من هذا الإيمان يجري الحوار حول أسس بناء حياة مشتركة تحترم كرامة الانسان وحقوقه وفي مقدمها حقه في الحرية.
لا يمكن أن يقوم حوار بين طرفين لا يعترف أحدهما بالآخر أو ينكر أحدهما الآخر أو يرفض الإقرار بحقه. ان من طبيعة الحوار أن يتعامل حتى مع نرجسية الاختلاف التي مهما كانت محدودة، فاننا كما يقول فرويد- نجعل منها أساساً من أسس شخصيتنا. ولذلك لا بد للحوار حتى يؤتي أكله أن ينطلق من قاعدة مراعاة هذه النرجسية، حتى يتمكن المتحاورون من الوصول الى القواعد الكلية لبناء الحياة المشتركة.
ومن أهم هذه القواعد، قاعدة الحق. قد تقوم حياة مشتركة على قاعدة التسامح. ولكنها لا تدوم. ذلك ان في التسامح نوعاً من الفوقية. فوقية المتسامِح تجاه المتسامَح معه. والأوطان التي تقوم على هذه القاعدة تبقى دوماً معرضة للاهتزاز والتصدع لدى وقوع أي تغيير على المعادلات السياسية أو الاجتماعية أو حتى على المزاج العام، مما يقلل من جرعة التسامح، أو يطيحه لأسباب أو لظروف طارئة على النحو الذي نشاهد آثاره المدمرة اليوم في العراق مثلاً. ثم ان في التسامح كما يقول نيتشه إهانة للمتسامَح معه،. قد يقوم وطن على قاعدة التسامح ولكنه لا يستطيع أن ينهض وأن يستمر ويزدهر على أساس هذه القاعدة لما فيها من دونية تنتهك كرامة الإنسان وكرامة الجماعة المتسامَح معها.
هذا لا يعني إنكار فضيلة التسامح بين الناس. إلا أن المحبة قيمة أسمى، وما يصحّ في العلاقات التسامحية بين الأفراد، على أهميته، لا يصلح أن يحلّ محلّ الحقوق الوطنية.
تأسيساً على ذلك من الملاحظ ان العلاقات المسيحية الاسلامية تواجه في الوقت الراهن تحدييْن يمكن أن يفتحا أفقاً جديدة في الحوار المسيحي الاسلامي.
التحدي الأول هو المواجهة المشتركة للهجرة المسيحية من الشرق. فالهجرة في بعدها الاستنزافي تتجاوز مساوئ ومخاطر حرمان دول المنطقة العربية من كفاءات علمية وثقافية ومن قدرات مالية واقتصادية، لتضرب عميقاً في البنية المجتمعية تفكيكاً وتهميشاً، وتالياً لتفرض تغيير هويتها وتشويه شخصيتها. وفي ذلك خسارة كبيرة للمسلمين وللمسيحيين معاً.
أما التحدي الثاني فهو المواجهة المشتركة ايضاً لظاهرة الاسلاموفوبيا المتزايدة في المجتمعات الغربية والتي تنعكس سلباً على العلاقات الاسلامية المسيحية في مجتمعاتنا الشرقية.
فالهجرة المسيحية ترفد هذه الظاهرة السلبية بالمزيد من الأسباب التبريرية، إذ تصور المجتمعات الإسلامية على انها رافضة للآخر الذي هو في أساس تكوينها ووجودها. وهي ليست كذلك.
من هنا فان المصلحة المسيحية الاسلامية المشتركة في مواجهة هذين التحديين تفتح آفاقاً جديدة لحوار اسلامي مسيحي، يكون في مقدم أهدافه تثبيت أسس المساواة في المواطنة حقوقاً وواجبات، واحترام الحريات العامة وفي مقدمها حرية الاعتقاد والضمير وحرية ممارسة الشعائر الدينية.
ويتوقع مسيحيو الشرق بعد السينودس موقفاً إسلامياً جامعاً يؤكد على هذه الحقوق ويحرم الاعتداء عليهم وعلى كنائسهم. أما كيف يصدر هذا الموقف الجامع، فتلك قصة أخرى!!.