#dfp #adsense

الذكرى الخامسة لاستشهاد جبران تويني أحيتها العائلة و”النهار” مع الأوفياء… عوده: الشهيد دينونة لقاتله لكنه فخر لوطنه وسلاحه كان الصوت المدوّي

حجم الخط

كانت السماء تصلّي مع الحضور. داخل كاتدرائية القديس جاورجيوس للروم الارثوذكس في ساحة النجمة كانت الترانيم تدخل قلوب المصلين، وفي الخارج، كانت السماء تمطر غزيرا وتشارك الاحباء في ذكرى مرور خمسة اعوام على استشهاد رئيس مجلس ادارة " النهار" النائب جبران تويني ورفيقيه اندره مراد ونقولا فلوطي.

وكعادته كل عام "لم يتخلّف" جبران تويني عن الحضور. حضر مع كل شخص من عائلة تويني واسرة " النهار" واصدقاء وشباب يفتقدونه، ومثله فعل غسان تويني الذي منعته أوضاعه الصحية من المشاركة.

حضر جبران لانه لا يعترف بوطأة الغياب ولا بالموت. انه كما قال متروبوليت بيروت للروم الارثوذكس المطران الياس عوده: "مات ولم يمت".

ورود حمراء وبيضاء احاطت بالمذبح، رمزا للحب والسلام، اي لاكثر ما عمل له جبران في حياته. في المقدمة، جلست العائلة. كل فرد غاص في صوره، استذكر شريط حياته معه، وانفرد بتأملاته. الا ان الحزن كان جامعهم. عاما بعد عام، تحوّل البكاء صمتا وخيوطا حمراء تلمع في العيون وتحفر غصة حارقة. لقد اخذ الحزن مكانه الكبير في القلب. "ارتاح" في موطنه، وتحوّل عميقا، عميقا جدا. هي هكذا دائما لحظات الموت، تكبر لاحقا.

الابنة النائبة نايلة تويني جلست وهي تعيش كل لحظة مع وجع الفقدان، وألم الغصة وصورة جبران وصوته.

والزوجة سهام عانقت الطفلتين ناديا وغبريالا اللتين تسألان دائما عن الوالد. والابنة ميشيل تويني عرفت كيف تخبر اباها بعد خمسة اعوام على فقدانه، انه بات له حفيد، يدعى جبران. ان "الكل يفتقدك". لكنها تخاف ان يسألها "ماذا فعلتم في البلد؟ ماذا حلّ في ثورة الارز ؟". قالت: "احتار واخجل من الجواب واحاول الاختباء، حانية رأسي من العيب امامك، وامام كل الشهداء الذين مضوا ليبنوا وطنا، بينما الاحياء في هذا الوطن ماضون في خرابه وتدميره".

ثم حدّثته عن العدالة، فناشدته: "لا تسألني عنها، فان الله الذي انت اليوم في جواره سيقاضي الكل وهو اعدل العادلين". وفي النهاية، طلبت منه السماح، قائلة: "صلّ معنا واطلب لنا من الله ان يعمق ايماننا ويثبت عزيمتنا ويشدد قوانا، انصافا للشهداء ورحمة للاحياء وخلاصا للبنان".

العودة إلى الكاتدرائية
جبران كان دائما يردد : "سنستمر في قول الحقيقة لانها وحدها تحرّر". وفي 12- 12- 2005: كان يوم الحقيقة الكاملة. انه اليوم الذي حلّ قبل اعوام خمسة وكأنها خمس ثوان. مرّ سريعا كسرعة البرق، الى حدّ عدم تصديقه، ولكنه لاحقا ترك الكثير في القلب. ومعه لم تعد للكلمات قيمة امام قيمة الفقدان الكبير.
وبالامس، الى الكاتدرائية حيث اقيم عرس جبران ولاحقا مراسم دفنه، كانت العودة. هي العودة مع الاحباء والاوفياء . الى وسط العاصمة التي احبها حتى الموت. كانت عودة حزينة لكنها مكلّلة بالايمان والرجاء وارادة الحياة والاستمرار.

ظهرا، ارتفعت الصلاة والترانيم، ودخل المطران عوده ليرأس الجناز يعاونه لفيف من الكهنة. علت ترانيم الفصح والقيامة، ترانيم ما بعد الموت.
كانت الجموع تصلّي: "ان فصحنا الذي حلّ فصحا شريفا وجديدا، فصحا مقدسا، فصحا سريا، عظيما فاتحا باب الفردوس".
وبعد الانجيل، تضرّع الجميع وهتفوا مع عوده بصوت واحد: "ارح نفس عبيدك جبران واندره ونقولا، حيث لا وجع ولا حزن ولا تنهد".

ثم، توجه عوده الى الحضور بعظة تناول فيها "جبران المؤمن الذي كان انسانا عاشقا للحرية والحق، لا يرضى منه بديلا"، وجبران المناضل الذي "لا يبيع ضميره من اجل اي غنيمة مهما غلت، لان قضيته لم تكن ستارا تختفي وراءه المآرب والمصالح، ثم من يحب كثيرا جدا، فماذا تراه يعطي في مقابل ذلك؟ انه يعطي ذاته".
وقال عوده في عظته: "انكم دُعيتم للحرية أيها الاخوة فاثبتوا في الحرية التي قد حررنا المسيح بها ولا ترتبكوا بنير عبودية بل اعملوا بالمحبة المنبثقة من الايمان بالرب يسوع الذي حرركم. لقد أتى يسوع ليبشر المساكين ولينادي للأسرى بالحرية وللعميان بعودة البصر اليهم وليحرر المظلومين لأن الانسان اعطي منذ البدء أن يكون حراً، في امكانه أن يختار بين الخير والشر، بين الطاعة للرب وعصيان أوامره. لذلك الانسان قادر على اتخاذ القرارات الحرة معتمداً على قدرة اختياره، ومتحملاً مسؤوليته أمام الله وأمام أخيه الانسان. فهو الذي يختار بين البركة واللعنة وبين الحياة والموت، بين المحبة والبغض وبين الفضيلة والرذيلة، بين العيش حراً أو عبداً مستعبداً.

إن الحرية نعمة منحها الله للانسان وبسببها يٌسأل الانسان عن افكاره واقواله وأعماله. نعمة الله وطاعة الانسان الحرة أمران ضروريان للخلاص. إننا نؤمن بأن المسيح هو الذي يقيم فعلاً عهد الحرية الكاملة والنهائية مع كل من اتحد به بالايمان والمحبة، كائناً من كان هذا الانسان. فكلّ من اتحد به لم يعد عبداً بل ابن. إن المسيح قد حررنا لنكون أحراراً ودعا كلاً منا الى الحرية ليبعدنا عن كل عبودية وضلال ويجعلنا عارفين الحق. انكم إن ثبتم في كلامي فبالحقيقة تكونون تلاميذي، وتعرفون الحق والحق يحرركم.

لقد حررنا المسيح بقيامته من بين الأموات ذلك لأنه انتصر على عدو الانسان الاول، أعني به الموت. لذا فقد الموت شوكته ولم يعد الانسان عبداً لمخافة الموت بل صار في الحرية التامة التي تعمل في المحبة والبنيان. فالمؤمن الحق في حرب مع كل انواع الخوف ليعيش في الحرية التي في الايمان. هذه الحرية التي تتحدى الموت وظلمة هذا الدهر وظلمه. الحر يبني حياته على أسس الايمان ومعرفة الحق ويناضل من أجل أن يجعل الكل حراً. الحر عاشق الحق ونظره اليه في كل حين، متعالياً عن كل صغائر الأمور. وعشق الحق والحقيقة يسبب ألماً، وهذا الألم يدفع الانسان الحر الى الأمام فلا يعود ينشغل بسخافات هذه الدنيا ولا يأبه بأكاذيب الناس وألاعيبهم.

هكذا كان جبران المؤمن، انساناً عاشقاً للحرية، لا يحيا إلا بها، وعاشقاً للحق، لا يرضى منه بديلاً. لذلك لم يساوم على أي من مبادئه، ولم يبع ضميره من أجل اي غنيمة، مهما غلت. ذلك لأنه كان صادقاً في ما يدافع عنه، وقضيته لم تكن ستاراً تختفي وراءه المآرب والمصالح، بل كانت قناعة عميقة دافع عنها حتى الشهادة. سيفه كان القلم، وسلاحه كان ذاك الصوت المدوي. بهما واجه كل أنواع الهجمات. لم يؤمن يوماً بالعنف ولم يتوسله قط. كان الحوار مبدأه والحقيقة هاجسه. قال: سنستمر في قول الحقيقة لأنها وحدها تحرر.

لقد حوّل جبران انتباهه وفكره مثلاً تحمل الانسان الى المحبة، الى محبة الله ومحبة الآخر، الى المحبة التي توحّد البشر جميعاً في الله. حركته كانت الى العائلة التي بعثه الله اليها رسولاً، الى العائلة اللبنانية ومنها الى العائلة الأوسع. أحب عائلته هذه ذاك الحب الفريد الذي يرى في المحبوب الحرية والاستقلال. فتحرك نحو هذا المحبوب بعشق كبير جعله ينسى نفسه ومن حوله ليضع كل طاقاته في خدمة هذا الوطن المحبوب. عرف أن هذا يتطلب جهداً لا بل جهاداً مستمراً وبقاء في العشق والحماسة التي تقود الى الشهادة. هذا العشق يجعلك تضحي بنفسك ولا تحسب حساباً لأي شيء ولا تخاف من اي شيء. يدفعك للذهاب بعيداً. القديسون والشهداء انطلقوا بهذا الجنون الإلهي ولم يترددوا في اي شيء. أسرعوا الى الاستشهاد بفرح وحماسة. من يحب قليلاً يعطي قليلاً ومن يحب أكثر يعطي أكثر ومن يحب كثيراً جداً، فماذا يعطي في مقابل ذلك؟ إنه يعطي ذاته.

لقد عرف جبران، الذي أحب وطنه حباً جارفاً وأراده حراً مستقلاً ومزدهراً، ان قدر هذا الوطن أن تكون حريته دائماً معمدة بالدم ولكن قدره أيضاً أن يبقى دائماً شامخاً. وكان يقول نحن نعيش في وطن الحرية، في وطن آمن بالحرية المطلقة، وعندما نتكلم على الحرية لا نعني الفوضى. لقد جعل جبران لبنان مذبحاً قدم عليه دمه لكي يفتدي هذه الأرض الطيبة. مات ولم يمت وترك الزمن لمن يريد ان يفتدي الوطن. لقد ولد من جديد ولم يمت لأن موت الشهداء هو ولادة جديدة. لقد عاد الى بطن الوجود في استشهاده. عاد بريئاً، نقياً، قديساً. لقد اغتسل بالدم وعاد الى وطن الحق حيث كان يسعى قلبه. صار حراً بالكلية لأن الاستشهاد هو الحرية المطلقة. لا بل صار في الجمال المطلق لأن الشهيد هو الانسان الأجمل على الارض لأن جماله لا يزول".

وختم: "الشهيد دينونة لقاتله لكنه فخر لوطنه. ولوطننا من الشهداء ما يجعله كبيراً كبيراً. أما من لوّث يديه بالدماء وكان سبباً مباشراً او غير مباشر في استشهاد الكثيرين فالتاريخ وحده سيظهر حقيقته ويصدر حكمه عليه. القلب المتخشع والمتواضع لا يرذله الله. أما من تقترف يداه ولسانه الإثم فجزاؤه عند الله. قلب جبران كان متخشعاً ومتواضعاً. لذا نرفع الدعاء الى الله أن يسكنه مع أبراره وقديسيه، وأن يحفظ العزيز غسان مع جميع افراد عائلته، ويمنحه الصحة والصبر والأيام المديدة، ويحفظ وطننا من كل شر وإثم وانقسام واستعباد".

"لا تسألني عن العدالة"
وقبل ان يتقدم الجميع لتعزية العائلة، القت ميشيل تويني كلمة خاطبت فيها جبران قائلة: "تمر بنا كل سنة مرة. يتوقف الوقت فيصبح غيابك حضوراً وحضورك اليوم أقوى منه وانت حي. فقد زرعت في الصدور فكراً نيّراً، كلمة حرة وقلماً جريئاً، واي سلاح يقيد فكراً يقتل كلمة او يحطم قلماً؟ أود ان اطمئنك يا جبران:

ناديا وغبريالا دخلتا المدرسة وتسألان عنك دوماً. ويسرني ان أخبرك انه ولد لك حفيد يدعى جبران. الكل يفتقدك. لكن أخاف ان تسألني يا جبران: شو عملتولي بالبلد؟ ماذا حل في ثورة الارز؟ احتار اخجل من الجواب واحاول الاختباء، حانية رأسي من العيب أمامك، وأمام كل الشهداء الذين مضوا ليبنوا وطناً، بينما الاحياء في هذا الوطن ماضون في خرابه وتدميره. اخاف ان تسألني عن رفاق الدرب الذين ذقت معهم الأمرّين. فمنهم من خاف وينصحنا بالنسيان لكن نسيانك مستحيل يا جبران. ومنهم من أوقف مسيرته بحجة الأمن والاستقرار والسلم الأهلي، كأن معاقبة مجرمين أصبح خطأ".

واضافت: "لا تسألني عن العدالة، فان الله الذي أنت اليوم في جواره سيقاضي الكل وهو أعدل العادلين. البعض خذل والبعض تراجع والبعض صمد. ومنهم الشهداء الاحياء، رفاقك وعائلتك: مع الياس ومروان اللذين أصبحا اليوم متهمين بكل التهم… فقط لأنهم لم يتمكنوا من اسكاتهما.

ابسط يمينك من عليائك وظلل دروب التائهين، لعلهم يتنورون ويعودون الى الصراط المستقيم، فالتبعية طغت على التحرر، والمصالح الخاصة على الوطنية والاستقرار والأمن والعدالة".

وختمت: "سامحنا يا جبران. صل معنا واطلب لنا من الله ان يعمق ايماننا ويثبت عزيمتنا ويشدد قوانا، انصافاً للشهداء ورحمة للاحياء وخلاصاً للبنان. يا رب من صمت جرحي أناجيك، واتضرع اليك، أسألك يا رب ان تمدني بالقوة لكي استوعب كيف ان المتهم اصبح يتهم، فالقاتل بريء والمقتول مذنب. اسألك يا رب ان تعطيني القوة لئلا أحاسب الذين تخلوا عن جبران مع انه لم يتخل عنهم في أحرج الظروف. أسألك القوة لأسامح قاتلي جبران. أنت القوي الذي سامحت قاتليك على خشبة الصليب لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون فكيف لي أنا الضعيفة من دون مساعدتك ان اسامحهم وهم يدرون ماذا يفعلون. أسألك يا رب نعمة الصحة لجدي غسان الذي أتعب الزمان ولم يتعب والذي دفن الاحقاد يوم وداع جبران فهل دفنوا هم احقادهم؟

أسألك يا رب جميل الصبر لكي اتمكن من تجاوز العيد من دون ألم وغصة ودموع، ومن دون ضمة وقبلة من جبران. أسألك يا رب ان تعطيني الشجاعة لكي أقف وأقول كما كان يقول جبران: "اللي عم يقتلك بتطلع في وبتقللو ما بخاف منك لانوا لو ربي ما بدو ياني ما متت!".

أسألك يا رب أن تعمق جذور الايمان في قلبي كي لا أضعف واتزعزع أمام التهويل والتهديد.

أسألك يا رب الثبات في عزيمتنا كي نبقى كما علمنا جبران، فننشر العدالة حيث الاجرام والشجاعة حيث الجبن والنور حيث الظلمة. فنعيش كما اردتنا يا جبران ونبقى موحدين دفاعاً عن لبنان العظيم".

وحضر القداس والجناز الرئيس فؤاد السنيورة ممثلا رئيس مجلس الوزراء في ذكرى استشهاد جبران تويني ونائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع الياس المر والسيدة جويس الجميل ونايلة معوض وصولانج الجميل والوزراء زياد بارود وبطرس حرب ومنى عفيش وطارق متري وميشال فرعون وجان اوغاسابيان ومحمد رحال.

وكذلك، حضر النائب ايلي عون ممثلا رئيس "اللقاء الديموقراطي" والنواب مروان حماده وغسان مخيبر وتمام سلام ونبيل دي فريج وهنري حلو ودوري شمعون ومحمد قباني وروبير غانم وعاطف مجدلاني وعمار حوري واحمد فتفت وسرج طورسركيسيان وفريد حبيب وخضر حبيب وفادي الهبر ومحمد الحجار وجورج عدوان وفؤاد السعد ونضال طعمة وزياد القادري ونديم الجميل وباسم الشاب وجمال الجراح وامين وهبة، والنواب السابقون فارس سعيد مع وفد من الامانة العامة لقوى 14 آذار، ومنصور غانم البون وسمير فرنجيه والوزير السابق وديع الخازن، وميريام سكاف ممثلة زوجها الوزير السابق الياس سكاف.

وحضر ايضا رئيس اساقفة بيروت للموارنة المطران بولس مطر. ونقيب الاطباء شرف ابو شرف والسفيرة الاميركية مورا كونيللي ونقيب الصحافة محمد بعلبكي والشيخ نجيب عدرا ونقيب المحامين السابق رمزي جريج والسيدتان روز انطوان شويري وباتريسيا الجميل ورئيس الحزب العمالي الديموقراطي الياس ابو رزق والسيد سمير عبد الملك والامين العام لحزب الوطنيين الاحرار الياس بو عاصي والدكتور داود الصايغ والزميلة مي شدياق والقيادي في "القوات اللبنانية" ادي ابي اللمع والسادة رفيق شلالا جوزف ابو شرف ومارون ابو شرف ومسعود الاشقر وخليل برمانا وميشال مكتف والامين العام لتجمع "ملتزمون" نجيب زوين.

وكان في استقبال المشاركين في الجناز افراد عائلة تويني، تقدمهم إبنتا جبران النائبة نايلة تويني والآنسة ميشيل تويني وزوج نايلة مالك مكتبي وأرملة الشهيد السيدة سهام تويني وزوجة رئيس مجلس ادارة "النهار" غسان تويني السيدة شاديا تويني والسيدة ميرنا المر ابو شرف وعائلتا الشهيدين اندره مراد ونقولا فلوطي واسرة "النهار" وزملاء.

المصدر:
النهار

خبر عاجل