لقد شبعنا كلاماً تهددياً ووعيداً وتوعداً وتنديداً وتخويناً من حزب تحول من مقاومة العدو الاسرائيلي الى مقاومة لبنان دولة وشعباً ومؤسسات، فالكلام الذي يطلق على هوانه من قبل المسؤولين في الحزب على قساوته وخطورته يجعلنا نطرح على انفسنا اكثر من تساؤل واكثر من ملاحظة.
اولى هذه التساؤلات والملاحظات هي في منطق السياق الذي يريد "حزب الله" اقناعنا به: فمن يملك هذه القوة المادية وهذه الوسائل الاستخباراتية وهذه الترسانة المسلحة الضخمة وهذه الاجهزة الامنية والميدانية المتطورة – نسأل انفسنا – الم تكن عام 2005 وتحديدا في 14 شباط كي تكشف اقله بالاقمار الصناعية من قتل الشهيد رفيق الحريري؟ سؤال يطرح من وحي هذا التعظيم لامكانات الحزب ولقدراته في الجو وعلى الارض وفي البحر.
ثم ينددون ويهددون بأن ما قبل القرار الظني غير ما بعده، ونسأل: ماذا بعد القرار الظني؟
نزول الى الشارع؟ وبعد…
احتلال لمؤسسات ومرافق حكومية ورسمية؟ وبعد…
قطع الطرق وحرق الدواليب؟ وبعد …
دخول عمق مناطق محسوبة على الاخصام السياسيين؟ وبعد…
انسحاب من الحكومة؟ وبعد…
تعطيل المؤسسات الدستورية؟ وبعد …
تقسيم لبنان بحكوميتن ودولتين؟ وبعد …
الى اين يريدون ان تصل بهم مثل هذه العربدات والسيناريوهات المسربة؟
وماذا سيكون وضع الحزب عند تنفيذه مثل هذه العربدات؟
المؤسف في هذا الاطار ان "الحزب" الذي لطالما توسمنا بقيادييه الرصانة وحسن التخطيط والحكمة والدراية نجده اليوم ينغمس اكثر فاكثر في متاهات وليدة نوبات جنونية وهستيرية حصيلة تخيلات واوهام زرعوها في عقول مناصريهم كالافيون المخدر الذي يجعل الانسان يعتقد نفسه انه الاعظم والاقوى والاقدر في حين والواقع انه الاضعف والاعجز عن القيام باي عمل ميداني شامل في لبنان للاسباب الاتية:
1- في لبنان مقلع رجال شعب حر وحي يعرف كيف يصون حريته ووحدته واستقلاله على مدار تاريخ لبنان الحديث – فاي تحدٍ ميداني لن يكون نزهة لمن يعتقد بأنه قادر على قلب المعادلات والقول للشيء كن فيكون.
2- في لبنان دولة ومؤسسات عسكرية وامنية لن تسمح – على ذمة ما نسمعه من قياداتها – باي تفلت امني واي فوضى ميدانية. فالبلاد ليست سائبة وليست متروكة وليست في وارد ان تسمح لاحد بزعزعة الامن ورئيس الجمهورية ميشال سليمان صارم مع العماد جان قهوجي في هذا الاطار.
3- في لبنان قيادات لم تعتد الخوف من تهديد ولا الفزع من اعتداء وكلنا في لبنان وفي ثورة الارز تحديدا مشاريع شهداء من اجل القضية ومن اجل الحقيقة. فلا يتخيلنا احد ولو لحظة واحدة بان قريطم او معراب او بكفيا او طرابلس او بيروت محطات مباحة ومستباحة لان الجرة هذه المرة لن تسلم اذا ما خيل لبعضهم ان يغامر في شوارعها وبين اهلها… فسنكون جميعا صفا واحدا منيعا – جدارا بشريا سلميا مصمما ومواجها للضلال والتعمية والاستكبار المتغطرس – جدار بشري لا يخشى الموت ولا العنف ولا التعنيف ولا الدماء ولا التضحية طالما انه مؤمن بلبنان الواحد الاحد، لبنان دولة للجميع، لبنان بلد الديمقراطية والتعددية والحريات المقدسة.
4- في لبنان رأي عام ثوري بالقلم والفكر والمعرفة ورأي عام مجند من اجل الحقيقة ومن اجل الخروج نهائيا من نفق التدخلات والمداخلات الخارجية على حسابه. كما في لبنان شعب مسيحي قاوم المعتدين والمحتلين على مدار 1500 سنة ليحافظ على ثوابته وايمانه وحريته من خلال تجسيده لصيغة لبنانية جامعة تحمي الارث المسيحي المشرقي وفي الوقت عينه تمد يد الوحدة والتفاعل مع البيئة العربية – الاسلامية المجاورة. فمن يريد ان يجرب المسيحين اللبنانيين الاحرار ما عليه سوى ان يحاول…
لكل هذه الاسباب مجتمعة نكرر الدعوة الى شركائنا في الوطن وتحديدا حزب الله وحلفائه الى عدم الخوض في تجارب جُربت وفي افات عانقها اللبنانيون بمراراتها سنوات وسنوات من تاريخهم وليعودوا الى الدستور اولا والقانون والمؤسسات واللعبة البرلمانية والحوار البناء المجدي الهادف. لان قدرهم وقدرنا ان نعود الى الحوار مهما اشتدت الازمات لنعود للعيش معا. فالاستقواء ولغة القوة والاستكبار والغطرسة العنيفة لن تجدي احدا… لبنان للجميع وليس لفريق على حساب اخر…
دعوة نوججها لـ"حزب الله" قبل فوات الاوان… للعودة الى الاصالة اللبنانية… والى النظر للتحديات المقبلة بروح جماعية تعاونية تكاتفية قادرة وعازمة على منع الفتن لان لا احد في لبنان يتأمر على احد … بل ونقولها بصراحة ان ثمة ازمة ثقة بين اللبنانيين يجب ان نبدأ بمعالجتها بدل صب الزيت على نارها … وهذا ما يفعله "حزب الله" الى الان …
وبدرونا نقول يومين او ثلاثة او اربعة او خمسة … فالوقت لا يزال متاحاً امام الحزب وحلفائه للعودة عن غطرسة القوة ومنطق الاستقواء … والا فان لبنان باق واللبنانيون جميعهم باقون … ولن يتغير شيء في لبنان سوى واقع واحد: اقتناع جماعي شامل بأن لا احد اقوى من احد …
فاللهم اشهد انني بلغت …
