في ما يلي النص الحرفي لما أوردته وكالة أنباء الجمهوريّة الإسلاميّة "إيرنا" عن الأزمة التي يعيشها لبنان، ويعكس هذا التقرير ما قد تفضي إليه الأمور في الساعات المقبلة، والسيناريو المحتمل الذي قد تلجأ إليه قوى "8 آذار" في ما يتعلق بجلسة مجلس الوزراء المرتقب إنعقادها نهار الأربعاء المقبل.
أدخلت الحكومة اللبنانية إلى غرفة العناية المكثفة بعد ثلاثة أسابيع من الشلل الذي أصابها جراء الخلاف حول ملف شهود الزور في قضية اغتيال رفيق الحريري، وبات أمام المسؤولين اللبنانيين 48 ساعة فقط لمعالجة هذا الوضع وإخراج الحكومة من العناية المكثفة.
ويرى المراقبون أن الساعات الـ48 المقبلة المتبقية أمام جلسة مجلس الوزراء التي دعا إليها رئيس الجمهورية ميشال سليمان بعد غد الأربعاء.
هي ساعات حاسمة بالنسبة لـ"حكومة الوفاق الوطني" التي أنتجها اتفاق الدوحة (2008)، وهي المؤسسة الوحيدة التي لا تزال تجمع طرفي الموالاة والمعارضة في إطارها بعد تعطل جلسات هيئة الحوار الوطني التي كانت تعقد برعاية رئيس الجمهورية وفي القصر الرئاسي. في أعقاب الخلاف المحوري الحاد بين الطرفين حول مسألة شهود الزور في قضية اغتيال رفيق الحريري.
فوزراء المعارضة والقوى السياسية التي ينتمون لها (حزب الله، حركة أمل، والتيار الوطني الحر) يتمسكون بمطلب البت بملف شهود الزور الموضوع على جدول أعمال مجلس الوزراء، ووجوب مناقشته في الجلسة المقبلة بعد تأجيل البحث فيه على مدى ثلاث جلسات سابقة، وإحالة هذا الملف على المجلس العدلي – أعلى سلطة قضائية في لبنان، بما يستدعي ملاحقة المتورطين توصلاً إلى معرفة الجهات التي تقف خلفهم والتي مولتهم ولقنتهم إفاداتهم وفبركت لهم افتراءاتهم، لأنهم أي قادة المعارضة ووزرائها يرون في إحالة هذا الملف على القضاء مدخلاً إلى كشف حقيقة من اغتيال الحريري، وبالتالي إلى منع جنوح المحكمة الدولية الخاصة بهذه القضية والمسيسة أصلاً نحو أهداف أميركية وصهيونية لن تصب حتماً في مصلحة لبنان، ولن تفضي إلى الحقيقة وإنما تحولها إلى أداة للثأر من المقاومة والانتقام منها على ما أنجزته في صراعها مع العدو الصهيوني.
وفي المقلب الآخر يتمسك رئيس الحكومة سعد الحريري وفريقه في الحكومة وفي قوى 14 آذار برفض مطلب المعارضة في إحالة ملف شهود الزور على المجلس العدلي، خشية الوقوع في الإحراج الذي قد يتسبب لهم فضح المسؤولين عمّا آلت إليه الاتهامات المزورة التي فبركوها وقادت إلى إثارة الفتن والخلافات والانقسامات على الساحة اللبنانية وسجن قادة الأجهزة الأمنية الضباط الأربعة لنحو 4 سنوات ظلماً وتعسفاً، والإضرار بالعلاقات اللبنانية السورية وبعائلة الحريري نفسها كما أقر الرئيس الحريري في حديثه المشهور لصحيفة "الحياة".
وبين المقلبين يتحمل رئيس الجمهورية ميشال سليمان عبء المسؤولية في متابعة الحال المرضية للحكومة ورعايتها داخل غرفة العناية المكثفة في مستشفى القصر الرئاسي، وهو بدأ اتصالات مكثفة مع قيادات القوى السياسية في طرفي الموالاة والمعارضة ستستمر على مدى الساعات الثمانية والأربعين المتبقية لموعد جلسة مجلس الوزراء بعد غد الأربعاء في محاولة للتوصل إلي صيغة توافقية تجنب "حكومة الوفاق الوطني" من السقوط أو الانهيار، وتسمح بتمرير جدول الأعمال من دون اللجوء إلى التصويت حتى لا تحصل انقسامات أو انسحابات من الجلسة تؤدي إلى تعطيل الحكمة وليس شللها فحسب، مستذكراً بذلك ما تعرضت له حكومة فؤاد السنيورة عندما انسحب منها وزراء المعارضة في تشرين الأول 2006 احتجاجاً على تهريب مشروع قرار إنشاء المحكمة الدولية الخاصة بقضية اغتيال الحريري من دون مناقشته في مجلس الوزراء ونقله إلى الأمم المتحدة من دون إقراره في مجلس الوزراء، الأمر الذي أدى إلى خلق أزمة دستورية حول قانونية هذه المحكمة امتدت تداعياتها إلى اليوم.
والتصويت في مجلس الوزراء اللبناني يشبه عملية جراحية حساسة وخطيرة ولذلك يتجنب الرئيس سليمان بصفته رئيساً للفريق الطبي المعالج اللجوء إلى التصويت خشية أن يؤدي ذلك إلي إحراج وزرائه الخمسة الذين يحاولون الوقوف على الحياد بين طرفي الموالاة والمعارضة وكذلك بالنسبة لوزراء "الحزب التقدمي الاشتراكي" (3 وزراء) برئاسة النائب وليد جنبلاط، الذي أعلن انسحابه من فريق "14 آذار" والعودة إلي خياراته الوطنية السابقة، وبالتالي فإن التصويت سيضطره على كشف حقيقة موقفه بين الطرفين.
في غضون ذلك ينتظر أن يعقد وزراء المعارضة (10 من أصل 30) اجتماعاً لهم اليوم، بحضور المعاون السياسي للأمين العام لـ"حزب الله" الحاج حسين الخليل والمعاون السياسي لرئيس مجلس النواب النائب علي حسن خليل، ويخصص لمناقشة التطورات السياسية الراهنة وتدارس الخيارات المتاحة للتعامل مع جلسة مجلس الوزراء المقبلة. وفي مقدمة هذه الخيارات اتخاذ القرار انسحاب وزراء المعارضة من الحكومة احتجاجاً على التمييع المتواصل لبند شهود الزور، مما يمنع بالتالي الانتقال إلى البنود الأخرى المدرجة على جدول أعمال المجلس، والذي يتضمن قضايا حياتية ودستورية أساسية مهمة.
وبالرغم من أن المؤشرات تتوقع أن تفضي الجهود التي يبذلها الرئيس سليمان عبر اتصالاته المكثفة مع الطرفين إلى صيغة توافقية لجلسة مجلس الوزراء، إلاّ أن الكثير من اللبنانيين يتخوفون من أن تكون الساعات الثمانية والأربعين المتبقية، هي الساعات الأخيرة من عمر الحكومة التوافقية، وتحول جلسة الأربعاء المقرر عقدها في القصر الرئاسي برئاسة الرئيس سليمان إلى مراسم نعيها وإعلان وفاتها.