يبدو أن المطلوب في النهاية من سعد الحريري، ان يقف امام العالم من اقصاه الى اقصاه ليقول انه يرفض القرار الاتهامي والمحكمة الدولية، بما يعني ضمنا انه لو فعل هذا سيصبح فورا أكبر شاهد زور في التاريخ.
لكن ليس في وسع سعد الحريري رئيسا للحكومة اللبنانية، ان يقف ويفعلها ويصفع الباب في وجه الشرعية الدولية ومجلس الامن.
ليس من حقه ان يفعل هذا، على افتراض خاطئ طبعا انه قد يفعل. لان رئاسة الحكومة لا تخوله وضع لبنان في مواجهة العالم، والذهاب الى حد وضعه تحت طائلة عقوبات دولية وربما تحت الفصل السابع، لانه يحقر الارادة الدولية ويحتقر مجلس الامن.
وليس في وسع سعد الحريري ولياً للدم كما سمّاه السيد حسن نصر الله، ان يتنازل عن هذه "الولاية". وأي ولاية وأي ألم وأي جرح يشق الكبد والاعماق الانسانية. وان يذهب الى شرنقة النسيان عملا بنصيحة النائب وليد جنبلاط، وخصوصا ان هذه "الولاية" الثقيلة والمؤرقة والمفعمة بالحزن وجروح الوجدان ليست ملكه وحده في وجود العائلة والتيار والوطن والقانون المحلي والدولي والحق العام.
❑ ❑ ❑
وبكثير من الموضوعية والهدوء يعرف الجميع ان ليس في وسع سعد الحريري ان يفعل في مسألة القرار الاتهامي والمحكمة الدولية اكثر مما فعل حتى الآن، وقد فعل الكثير وحاول الكثير منذ اشهر، وابتلع الكثير ايضا وابدى من حسن النية الكثير. وحرص على ان يدأب وبوتيرة يومية تقريبا على الدعوة الى الحوار والتفاهم، والاتفاق على ما يمكن ان يدرأ عن لبنان كل الاخطار والاهوال التي قيل ويقال انها ستصيبه بسبب المحكمة الدولية.
منطقيا على الاقل، عندما يتم التوافق بين الرئيسين نيكولا ساركوزي وبشار الاسد على اهمية المحكمة وضرورة تحييد عملها، ليس في وسع سعد الحريري ولا من حقه ان يقف ويتبرأ منها، وهو الذي كان سباقا في القول انه سيحاربها اذا اوقعت الحقيقة المنتظرة في الانحياز والتسييس!
وبعدما قرأ الناس كلام الرئيس السوري الى قناة "T.V.1": "عندما يكون قرار المحكمة مبنيا على دلائل قاطعة فإن الجميع يقبلونه، ليس فقط سوريا بل ايضا لبنان. واذا كان القرار مبنيا على شبهات او تدخل سياسي فلا احد سيأخذ القرارات على محمل الجد". فهل من المعقول مثلا ان يقف سعد الحريري مطالبا باسقاط المحكمة؟!
وعندما تكرر موسكو تأييدها القوي للمحكمة الدولية، مؤكدة عدم قدرة احد محليا او دوليا على وقف عملها، وذلك في رسالة واضحة حملها الكسندر سلطانوف الى المسؤولين في بيروت ودمشق، هل يعقل ان يستمر الضغط على الحريري لاعلان رفض المحكمة؟!
وعلى افتراض ان اميركا ومن ورائها العدو الاسرائيلي يحاولان استغلال المحكمة ضد "حزب الله"، فماذا عن بقية دول العالم من الصين وروسيا ودول اوروبا وتركيا والدول العربية والافريقية والآسيوية الى آخر نقطة في هذا الكون؟
❑ ❑ ❑
واذا كان من الواضح والمفهوم ان هناك دولا تسعى وراء ابواب مغلقة، الى ايجاد تسوية توفر على لبنان واللبنانيين الوقوع في الفتنة والخلافات والحروب الاهلية من جديد، وخصوصا ان السيد حسن نصر الله نوّه مرتين بجدية المسعى السوري – السعودي، الذي يفترض بالضرورة ان ايران ليست بعيدة عنه، فهل من المنطق ان يقف سعد الحريري ويلقي مياها باردة على الجميع، رافضا المحكمة وقرارها؟!
وعندما تُتّهم المحكمة بأنها قد تكون بوابة للفتنة المذهبية في لبنان، فلماذا لا تفتح القلوب والابواب على تفاهم يمنع الفتنة، بدلا من تصعيد اللغة والتراشق بتصريحات تقود الى الفتنة او تؤسس لها عميقا لا سمح الله؟!
ثم اذا كان مطلوبا من سعد الحريري ان يتحمل ما لم يتحمله ايوب، فما ذنب الشعب اللبناني من اقصى الجنوب الى اقصى الشمال، ليُترك يتيما في العراء يواجه الحرائق والفيضانات والمآسي والازمات وغلاء المعيشة وانقطاع الماء والكهرباء، والعجز عن الطبابة ورغيف الخبز وحتى عن الشكوى الى رب العالمين، وهو عالق في اليأس والقلق، امام حكومة معطلة منذ خمسة اسابيع، لا بل منذ تشكيلها، وقد جاء بعد خمسة اعوام من شلل في السلطة التنفيذية كما هو معروف؟
❑ ❑ ❑
فعلا ما ذنب الناس المنسيين وسط هذه الاوضاع المأسوية من الجنوب الى الشمال، في وقت يبدو واضحا تماما اننا بتنا "دولة فاشلة" ولم يعد ينقصنا الا اعلان رسمي لهذا؟
وعندما يلتئم مجلس الوزراء غدا من غير شر، يبدو حتى الآن انه لن تكون البنود الـ300، التي يفترض ان تعالج مشاكل اللبنانيين على المحك، بل سيكون على المحك واحد من اثنين:
إما حل عقدة شهود الزور او المضي في الضغط على سعد الحريري ليكون اكبر شاهد زور عرفه التاريخ.
وفي انتظار النتيجة التي قد تقصر او تطول، فإن المواطن اللبناني السعيد وحده الذي "يأكل العصي" كما يقال!