#adsense

لذكرى جبران

حجم الخط

كلما بعدت الذكرى، زادت مرارة، وعمقت التفكر في الحدث: سنوات خمس مرت على اغتيال جبران تويني. لا يهم عدد السنوات لذكرى كل اغتيال من الاغتيالات التي أغرقت العام 2005 واستمرت حتى نهاية 2007.

نعرف من اغتيل، ولا نزال نجهل من اغتال. كلهم شهيد، لكن العودة الى لحظات استشهاد كل واحد منهم، تعطينا معنى لاغتياله من زاوية المجرم.
بعضهم اغتيل لينحر القاتل غدنا. وبعضهم اغتيل ليذكرنا القاتل بأنه لما يزل ممعناً في الجريمة، ومستعداً للمزيد. وبعضهم الثالث سقط لأنه امسك بخيط الحقيقة.
ثلاثة من الاغتيالات اريد بها اقفال بوابة الغد. كانت "استراتيجية" الأهداف: اولها تفجير موكب الرئيس الشهيد رفيق الحريري المعتدل لبنانياً وعربياً ودولياً. دينياً واجتماعياً. الحالم العامل للبنان الدور والموقع. قُتل ليس لما أنجز، بل لما كان قادراً على انجازه.

ثاني الاغتيالات، استراتيجية الهدف، تفجير سيارة جبران تويني، الشاب الدينامي المتمرد المقدام. سُفح شبابه وأُهدر لأن توأمة جرأته مع مجد "النهار" في الكلمة الحرة والرأي الصادق يهدد بابقاء الحقيقة سيفاً مصلتاً فوق الخائفين منها. يفشي تآمرهم ويفضح تواطؤهم. ولعل اول من استشعر هذا الهدف البعيد كان استاذ الجميع كبيرنا غسان تويني: يومها جمع هيئة التحرير لـ"يملي" عنوان الصفحة الأولى، متخلياً عن ديموقراطيته، رافضاً كل نقاش.

"جبران لم يمت، والنهار مستمرة". فما كان مطلوباً هو ازاحة جبران لتصبح النهار بلا غد، منبراً بلا صوت وذلك لم يتحقق ولن يتحقق، ما دامت "النهار" قيمة من قيم لبنان: ارزة في الاعلام الحر، وعمود بعلبكي في الدفاع عن الوطن.

ثالث الاغتيالات "الاستراتيجية" غيّب بيار الجميل. الصوت الماروني المعتدل الآخذ من تجارب أهله افضل ما فيها، والمتنوّر في لبنانيته، والمنتقل من منطق العيش المشترك الى رؤيا العيش الواحد، في نهج نجح في فترة قصيرة في كوكبة آلاف من الناشطين تحت لواء الكتائب حزباً لوحدة وطنية تغرّب عنها اللبنانيون طويلاً بارادة منهم، او من دونها.

كان خطر بيار الجميل على القتلة، انه كان أهلاً لاخراج المسيحيين من ثنائية فرضتها احقاد حروب الأخوة والإلغاء وزمن الميليشيات. وكان اغتياله اقفالاً لهذه الطريق.

لكن "استراتيجية" الجريمة لا تخفي هدفاً مرحلياً هو اثبات وقاحة القتلة بأن ارتكبوا جريمتهم في وضح النهار وتحت انظار المواطنين، وبسلاح فردي، وليس بتفجير. فالرسالة مزدوجة آنية ومستقبلية.

الشق الأول منها يقول ان القاتل لا يخاف ويده أطول مما يُعتقد، والشق الثاني يقول باعادة خلط الأوراق في احدى ساحات الرأي العام اللبناني.
بين محاولة اغتيال النائب مروان حماده واغتيال النائب انطوان غانم، غلبت على الاغتيالات الاخرى، ارادة القاتل ان يذكرنا بدوره وفعله وقدرته على الإجرام.
واذا كان التمسك بالمحكمة الدولية هو لوضع حد لمسلسل تفلت المجرم من العقاب، فان عقابه الآخر هو الاستمرار في النهج المستقبلي الذي أراد اجهاضه بدم الشهداء.

المصدر:
النهار

خبر عاجل