لم تأتِ المفاجأة هذه المرة من خبر إقالة منوشهر متكي وإن كانت مُفاجئة في الشكل والتوقيت المهين الذي تلقى فيه متكي خبر إقالته أثناء قيامه بزيارة خارجية لدولة السنغال، كانت المفاجأة الحقيقية في اختيار الرئيس الإيراني أحمدي نجاد للدكتور علي أكبر صالحي ليشغل منصب وزير خارجية إيران بالإنابة وفي لحظة تفاوضية حاسمة للملف النووي الإيراني والذي ضرب له موعد في جنيف مطلع العام 2011 في شهر كانون الثاني المقبل.
ومَن يُلقِ نظرة على السيرة الذاتية للوزير السابق والوزير المعين سيكتشف أن الرئيس الإيراني قرر أن "يُعطي الخبز النووي الإيراني لخبازه" وأن "خباز الكعك النووي وخصوصاً الكعكة الصفراء لن يأكل نصفه"، فنظرة متيسرة على السيرة الذاتية للرجلين ستجعلك تكتشف "ذكاء" أحمدي نجاد ودقة اختياره للتوقيت التغييري، فالحديث طال عن الخلافات بين نجاد ومتكي الذي تدخل لصالحه أكثر من مرة رئيس مجلس الشورى علي لاريجاني ونواب محافظون حذروا وانتقدوا واعتبروا سياسة التعيينات التي يتبعها نجاد في وزارة الخارجية أضعفت منوشهر متكي إلى حد جعلت منه وزير خارجية على الهامش، وفي وقت راهن كثيرون أن متكي قوي إلى حد لن يجرؤ معه نجاد على المس به وذلك في إطار التصارع على النفوذ الداخلي في إيران ومراكز القوى فيها.
عام 2005 عُين متكي وزيراً للخارجية خلفًا لكامل خرازي، ومتكي حائز على شهادة البكالوريوس من جامعة بانجلور الهندية في علم الاجتماع وبعدها بعشرين سنة حصل على شهادة الماجستير في العلاقات الدولية من جامعة طهران، وهذه عملياً وعلمياً سيرة ذاتية هزيلة لوزير خارجية دولة تواجه المجتمع الدولي والمنطقة المحيطة بها وبكل التباسات تدخلها السافر تسليحاً وتمويلاً في شؤون دول ملتهبة كالعراق ولبنان وفلسطين واليمن وبملف نووي شديد الخطورة، واستطراداً وللمفارقة ثمة شبه كبير بين ملامح وجه منوشهر متكي والنائب محمد رعد المتخصص هذه الأيام بالتهديد ومن أثقل عيار سواء في "العبوس والتكشير أو الابتسام"، ويا ليت حزب الله يتعلم من مشهد التغيير الإيراني الخارجي، فقد باتت وجوه فرسان الحزب الثلاثة الموكل إليها مهمة "الشد والقد والعنترة ولعب دور البعبع" مضجرة ومملة ولم يعد اللبنانيون يعيرونها أذناً صاغية.
ونظرة على السيرة الذاتية لوزير الخارجية الإيراني بالإنابة علي أكبر صالحي تجعل أي باحث يُدرك أن إيران اختارت التفاوض مع العالم في الجولة المقبلة وأنها استعدت لهذه الجولة بالشخص المناسب… فالدكتور علي أكبر صالحي أكاديمي وسياسي إيراني شغل منصب ممثل إيران في الوكالة الدولية للطاقة الذرية لأكثر من أربع سنوات وقبل تعيينه في منصب وزير خارجية إيران بالإنابة شغل منصب رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، وهو أيضاً أستاذ وعميد لجامعة شريف للتكنولوجيا، وعضو في الأكاديمية الإيرانية للعلوم والمركز الدولي للفيزياء النظرية في إيطاليا. حاصل على درجة البكالوريوس من الجامعة الأميركية في بيروت وعلى درجة الدكتوراه في الهندسة الميكانيكية من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بالولايات المتحدة الأميركية عام 1977 أثناء مشروع تاريخي بين الحكومة الإيرانية زمن الشاه ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا لتدريب الجيل الأول من العلماء النوويين الإيرانيين.
وكان علي اكبر صالحي سفيراً لإيران لدى وكالة الطاقة الذرية لعدة سنوات في عهد الرئيس الإصلاحي محمود خاتمي، وبقي في هذا المنصب حتى كانون الثاني 2004 ويحظى صالحي عالم الفيزياء النووية الإيراني بتقدير الغربيين لمواقفه المعتدلة، وفي كانون الأول 2003 كان قد وقع بالأحرف الأولى عن بلاده البروتوكول الإضافي الذي قبلت إيران بموجبه السماح بإجراء عمليات تفتيش مشددة لنشاطاتها النووية، ثم أوقف تطبيقه نجاد عام 2006.
وإذا كان الحديث عن عمق الخلاف بين الرئيس الإيراني ووزير خارجيته المُقَال ازداد بعدما عين نجاد قبل حوالى شهرين ممثلين مباشرين له في الخارجية لإدارة شؤون العلاقات مع آسيا وبلدان المشاطئة لبحر قزوين والشرق الأوسط وأفغانستان، وعن تدخل نجاد وتعيينه سفراء لإيران من دون الأخذ برأي متكي، فربما علينا أن نشكر نجاد على تعيينه غضنفر ركن آبادي سفيراً لإيران في لبنان، عملياً مجرد تعيين شخصية كالدكتور علي أكبر صالحي هو مدعاة للتفاؤل الشديد، وعسى أن تنعكس الاختيارات الإيرانية المفاجئة للوزير المناسب والسفير المناسب في المكان والتوقيت المناسب، عسى تنعكس على أصوات ولغة نواب حزب الله التهديدية في ملف المحكمة الدولية وجرائم اغتيال شهداء لبنان وأولهم الرئيس الشهيد رفيق الحريري وفي التوقيت غير المناسب وفي الوطن ذي النظام التعددي غير المناسب أيضاً لكل هذا الفجور السياسي…