#adsense

“جبهة الطاووس” تتباهى بشراء مشكل

حجم الخط

قبل أن ينجز وزير العدل ابراهيم نجار تقريره حول ما بات يعرف بقضية "الشهود الزّور"، ما كانت قوى المعارضة والممانعة والمقاومة، أي "جبهة الطاووس"، لتكثر الكلام عن ضرورة إحالة القضية على المجلس العدليّ بحدّ ذاته.
يعود ذلك، بشكل أساسيّ، إلى أنّ نقطة الخلاف كانت متمحورة وقتها، حول معرفة المرجع الصالح لقبول القضية والبتّ في أمرها.

والبروفسور نجار ابتكر الحل "التسووي" لتلك المعضلة يومها. قضى الحل باعتبار الملف من اختصاص القضاء اللبناني لا ملفاً معلّقاً في الهواء. وقضى الحل أيضاً بأن لا يكون للمجلس العدليّ صلاحية تسلّم الملف.

وعدم صلاحية المجلس العدليّ في هذا المجال تعني أنّ لا صلاحية لمجلس الوزراء قبل كل شيء لجهة إحالة هذا الملف على هذه الهيئة القضائية أو تلك.
فمجلس الوزراء لا يستطيع أن يحيل بكيفه، أو إعتباطاً، ملفات قانونية إلى الهيئة القضائية التي يريد، وإلا انهار نظامنا الدستوريّ القائم على الفصل والتكامل بين السلطات.

يمكن مجلس الوزراء، وفي حالات محدّدة بالنص القانونيّ، وبناء على مرسوم يتخذ، أن يحيل الدعوى العامة على المجلس العدليّ في جريمة واقعة على أمن الدولة بعد حصولها. ولا يمكن للمجلس العدلي أن يضع يده من تلقاء نفسه على هذه القضية.

وهذا يعني، في حالة ملف "الشهود الزّور" انتفاء صلاحية مجلس الوزراء في البت بالموضوع، سلباً أو إيجاباً، في ما يتجاوز الرّد القانونيّ، من موقع وزير العدل، على السؤال الذي طرحه وزراء المعارضة والممانعة والمقاومة، حول قضية "شهود الزّور"، أي حول معرفة ما إذا كان الضبّاط الأربعة قد ظلموا وكيف ظلموا، وماذا إذا كانوا ظلموا نتيجة لإفتراءات عليهم، أم نتيجة لسوء تقدير من جانب التحقيق الدوليّ، أو ماذا لو كان لم يظلموا، وماذا لو كانوا لم يبرأوا من أساس.

فحتى لو أجمع مجلس الوزراء بكليّته على إحالة هذه القضية على المجلس العدليّ، فليسَ هناك في الدستور والقوانين اللبنانيّة إلا ما يمنع ذلك أو يلغيه تلقائياً. فهذا ليس من صلاحية مجلس الوزراء.

فكي يكون لمجلس الوزراء صلاحية الإحالة، عليه أن يقرّر أنّ ما تتضمنه قضية "الشهود الزّور" هو جريمة لا لبس فيها على أمن الدولة، وليس إحتمال جريمة على أمن الدولة ينتظر بعد ذلك للمجلس العدليّ أن يتأوّل حقيقتها سلباً أو إيجاباً، فهذا أيضاً ليس من صلاحيات المجلس العدليّ.

فملف "الشهود الزّور" هو ملف التحقيق في السبب الذي أدّى الى اعتقال الضبّاط الأربعة وإستمرار احتجازهم ثم السبب الذي أدى إلى اطلاقهم، ومن يتحمّل، إن كان هناك من يتحمّل، عواقب ذلك؟. إنّه ملف لا بدّ من تبيان الحقائق حوله، هذا أكيد، ولكن لا يمكن الإنطلاق من "مصادرة على كل حقيقة" (وفقاً للغة المناطقة)، بالقول إنّ الضبّاط احتجزوا نتيجة جريمة ارتكبت بحق أمن الدولة. فهذا على أقل التقدير غير مثبت، ولا يمكن لمجلس الوزراء التثبّت منه لا بالإجماع ولا بالتصويت، وبالتالي نعود ونكرّر، لا يجوز لمجلس الوزراء، في قضية لا يعرف هذا المجلس إن كانت جريمة واقعة على أمن الدولة ام جزء من المسار القانونيّ الطبيعيّ للتحقيق الدوليّ، أن يبتّ في أمر إحالتها على المجلس العدليّ.

امّا حكاية اعتبار قضية "الشهود الزور" متفرّعة عن الملف الأساس المحال على المجلس العدليّ، أي ملف اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، فتلك طرفة ما بعدها طرفة. لأنّ مجلس الوزراء لا يستطيع بعد أن يحوّل ملفاً متصلاً بجريمة واقعة على أمن الدولة، كجريمة اغتيال الرئيس الحريريّ، أن يعود بعد ذلك ويضمّ إليه مستلحقات إضافية، فإذا لم يكن المجلس العدليّ ونتيجة متابعته للقضية الأم قد توصّل إلى هذا الفرع، فإن إحالة مجلس الوزراء هذا الفرع المزعوم عليه هو تجاوز لكل قواعد وآليات النظامين الدستوريّ والقانونيّ.

كل هذا، مع إعادة التذكير، بأنّ ما تفعله قوى المعارضة والممانعة والمقاومة هو "شراء مشكل" استباقيّ للقرار الإتهاميّ ينطلق من "نكاية". لأنّ كل مسألة الإحالة أو عدم الإحالة على المجلس العدليّ لم تتطوّر إلا بعد تقرير نجّار في هذا الخصوص.

وهذا طبعاً يستدعي مرة أخرى، من جانب قوى المعارضة والممانعة والمقاومة أن تستعين من الآن فصاعداً بمحامين جيّدين في المسائل كافة، من القانون إلى الثقافة إلى المسائل العلمية والتقنية، بدل أولئك الذين يتسبّبون اكثر فأكثر، عن وعي أو عدم وعي، في إخراج هذه القوى عن كلّ منطق.

إنّ البتّ في "مظلوميّة" الضبّاط الأربعة وسواهم وما إذا كانت صحيحة أم لا، هو أمر ينبغي أن يعني اللبنانيّين جميعاً. ليس في ذلك ادنى لبس. لكن الباب إلى ذلك لا يكون بإطاحة النظامين الدستوري والقانوني، وبالأخص مبدأ الفصل والتكامل بين السلطات، بحجة إعادة الإعتبار لـ"العدالة الوطنية" في وجه "العدالة الدوليّة"، إنّما يكون الأمر بتحريك القضاء اللبنانيّ للنظر في هذا الموضوع بالشكل المناسب، وبتوجيه استفسار وطنيّ رسميّ حول موضوع الضبّاط الأربعة، إذا كان القرار الإتهاميّ لا يجيب على هذا الموضوع بالشكل المطلوب والمدعم بالمادة الإثباتية المطلوبة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل