في أدبيات الحرب اللبنانية التي لم يمرّ عليها الزمن بعد، مواقف سُجّلت وقيلت من قبل البعض وتحوّلت بسرعة الضوء الى معلم استثنائي وفاصل بين ما قبلها وما بعدها.
ويمكن للسرد أن يطول الى ما شاء ربّ العالمين في الكلام عن أبرز محطات تلك الحرب، وأبرز ما أعلن، وأغرب غرائب الحكي الذي اندلق في كل اتجاه أثناءها. ويمكن فوق ذلك الاستطراد والإبحار في تخيّل ذلك الكمّ المتراكم والهائل من الوقائع التي توالت على مدى خمسة وثلاثين عاماً، في الشارع والبيان على حد سواء.. لكن من بين كل تلك الأطنان، تبقى بعض المواقف "الفصيحة" قائمة ومُستذكرة في كل حين. لا تُمحى ولا تندثر ولا تقوى عليها أي فصاحة أو بلاغة أو حدث.
وفي ذلك، هناك جملتان مفصليتان. الأولى هي التي قالها الراحل "أبو أياد" عن "طريق فلسطين التي تمر في جونيه"، والثانية هي التي قالها أحد أبرز أقطاب السياسة اللبنانية عشية الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982 وفيها الآتي حرفياً "فلتكن الحرب وليربح الأقوى"!
ليس قليلاً أو هيّناً أو بسيطاً أن يتوقف التاريخ في بعض لحظاته لالتقاط أنفاسه ووضع مقولةٍ ما أو حدثٍ ما في خانة الصفحات المميزة من كتابه الماسيّ. وليس قليلاً أو بسيطاً أو هيّناً، أن يصار الى تكثيف حالات متشعّبة وضاجّة بحوادثها في إطار مسبوك ومختصر وموجز. فهذه مسألة جليلة وكبيرة، وكل المشتغلين في التأريخ والتدوين يعرفون ماذا تعني ومدى فرادتها!
مقدمة طويلة لفكرة بسيطة مؤداها الأخير هو السؤال عن مآل "المشاريع" التي حملها أصحاب ذينك القولين المحكمين.. وليس إلاّ؟!
لكن بعد ذلك، فإننا في هذه الأيام، نداري الوقائع ونناغي المفردات، ونحاول أن ندور على الزوايا علّنا نهرب من حدّتها، طالما أن لا قدرة لنا على تدويرها هي، ومن ثم البقاء على سوية طبيعية معقولة في خضم جنون فالت. وهذه لعمري وشرفي ووجداني واحدة من أصعب الصعاب وأكثرها تحدياً، بل هي، لمن يشاء، مهمة غريبة في تميّزها رغم هدفها الناوي على البقاء عند سوية الوضع الطبيعي ذاك.
.. وبالتالي، أيها الأحبة والرفاق الأعزاء، الإخوان الخلاّن، الدائخون من كثرة الطخّ على أسماعهم. والملتاعون من شدّة البأس في توعّدهم، والزعلانين من كثرة الشطط الذي يرونه، والخائفون على المهدِّدين أكثر من المهدَّدين! والمرتعبون من صلافة تكرار التجربة والمشي على تلك الدرب التي مشى عليها المنتقون والمصطفون والكبار الأوائل… المهمومون بالمصائر والبصائر. الغاضبون من يأسهم وقنوتهم. الشايفين فظاعة الرعونة وغرور التجبّر ومآل كل ذلك. الحافظون عن غيب نتائج حروب ومعارك من سلف وغشيان من خلف. الناقمون على الجغرافيا والتاريخ والسياسة. النادمون على كل كلمة قيلت وساهمت في دكّ بنيان النظام والسلطة في ما مضى. التاركون أمرهم وأمر بلدهم وعيالهم لله ورحمته وحكمته. الكامشون على وعد العدالة علّ الظلم والطغيان ينحسران. المرعوبون من خفّة اللعب مع أفاعي الفتن وحركشة جحورها. المترحمون الى يوم الدين، على واحد من أنبل وأكرم وأطهر من مشى عليها، الذين زلزلوا الدنيا من حوله كي يغيّبوه ويمحوا ذكراه، الشيخ الرئيس الشهيد المظلوم رفيق الحريري.. أيها الأعزاء: لا بأس بكل ذلك الطخّ والتهديد. ولا بأس أبداً بالركون الى معادلة لبنان هذا، والعودة الى القراءة المتأنية في تاريخه الحديث. ففيه مفاصل الجواب، وفيه ما يكفي من حقائق وأحكام تلغي الفبركات وتهشّم الأوهام، بل تبقيها حيث هي: طيف رغبات مرّت في منام.. ثم بعد هذا، من جديد، من قال أن لبنان مثل غزة؟.. والسلام!