#dfp #adsense

ميشال عون و”التاريخ”!

حجم الخط

النائب ميشال عون وخلال عرض "ميشو شو" الأسبوعي بالأمس وصف كلامه بـ "التاريخي" وأكد لنا أن "المؤرخين" سيكتبون كلامه لأنه كلام حق ويدافع عن الحقيقة!! هذه "النتعات" النابليونية ليست بجديدة على الجنرال الأسطوري، فقد عاش وهم أنه "المنقذ" عام 1989، ثم تحول إلى "ترمينيتر" تدمير المنطقة المسيحية عام 1990، هو الجنرال – الأسطورة، وبالتأكيد سيذكره التاريخ، بل منذ بدأ التوثيق لحروبه التي دمّرت لبنان وأسقطته لقمة سائغة في حلوق الطامعين والبالعين بدأ المؤلفون والصحافيون الذين يُفترض أنهم "مؤرخو" اللحظة، يذكرونه ويذكرون كلامه الذي سجلوه عنه !! مشكلة ميشال عون الحقيقية وأزمته الكبرى التي ستشبه "لعنة" تطارده ستكون في أن "التاريخ" – تاريخ لبنان – سيذكره، وسيذكر كل جمله "النابليونية"، وكل "الخداع" الذي مارسه على لبنان واللبنانيين قد سجله التاريخ، ولو راجع الجنرال القليل مما تفوه به منذ العام 1989 وحتى اليوم لتمنى لو كان بإمكانه أن يمحو كل كلامه لكثرة تناقضه وانقلابه على نفسه حتى لا يسجله التاريخ!!

والتاريخ ؛ لا ينسى أحداً، علية وسفلة القوم ذكرهم التاريخ، فكل العصور التي توالت على الجنس البشري ما زالت تقع تحت تصنيف واحد، عصور ما قبل التاريخ وما بعد التاريخ، منذ اكتشف الإنسان الكتابة بدأ تدوين التاريخ، والتاريخ "لا يرحم"، وهو لا يرحم لسبب بسيط: لأنه لا ينسى، لم يسقط من ذاكرة التاريخ أحد، حتى الشعوب التي تقضي نحبها في حروب من هم بأسطورية الجنرال المخادعة يذكر التاريخ موتهم وأعداد قتلاهم…

المجانين ذكرهم التاريخ، والمجرمون ذكرهم التاريخ، والصالحون ذكرهم التاريخ، وأشهر اللصوص ذكرهم التاريخ، والحكّام ذكرهم التاريخ، والملوك ذكرهم التاريخ، والجلادون ذكرهم التاريخ، والخونة ذكرهم التاريخ، وجحا وأشعب أيضاً ذكرهما التاريخ، و"ماريكا" ذكرها التاريخ، وجان دارك ذكرها التاريخ، والحشاشون ذكرهم التاريخ، والبهاليل والمساكين والشعراء والبلغاء والفصحاء والمبدعون والسفاحون أيضاً ذكرهم التاريخ…

سيجد ميشال عون مكانه في التاريخ وسيذكره مثلما ذكر كثيرين، وسينسى التاريخ كل ما يدعيه في نفسه وسيذكر حربيه المدمرتين، وسيذكر فراره المهين من قصر بعبدا وطموحه الأرعن، والباقي تفاصيل ركيكة سنقع عليها في دراسات عسكرية وسيكولوجية عن الرجل وعن دوافعه ومواقفه الملتبسة، هذه كلها سيتفرع لها صغار الباحثين، ولن يكون الجنرال هنا ليدافع ويبرر ويخترع الأحاجي، ولن يجد من بعده "تياراً" ينهض لجمع تراثه التدميري المنهجي للوطن!!

التاريخ ذكر الجميع، نبوخذ نصر والإسكندر وهرقل وكسرى ونابليون الأول والثاني والثالث ويزيد بن معاوية وأبو العباس السفاح والحاكم بأمر الله وماري أنطوانيت وشجرة الدر وغولدا مائير، وكل الذين تداولوا رقاب الناس، وكل الذين قطع الناس رقابهم، موسوليني ذكره التاريخ وهتلر وفرانكو وستالين وهيلاسيلاسي وصدام حسين، وسيذكر التاريخ عمر البشير ومعمر القذافي وكل الأخوة الحكام وكل الجنرالات أيضاً، حتى مجرمتا الإسكندرية ريا وسكينة ذكرهما وذكر ضحاياهن التاريخ…

والتاريخ يضع الشخص المناسب في موقعه المناسب، لذا لا يكفي الجنرال أن يدعي أن "المؤرخين سيكتبون كلامه لأنه كلام حق ويدافع عن الحقيقة"، فكل من سبقوه قالوا قوله ولكن التاريخ كذبهم وفضح فساد وزيف مقولاتهم، بل بعضهم قال في نفسه أسوأ من قول ميشال عون في حق نفسه، بعضهم ادّعى النبوة والألوهة وذكر التاريخ ميتاتهم التي فضحت كذب ما قالوا من النمرود بن كنعان إلى فرعون الغرق، حتى "إبليس" يا جنرال دخل التاريخ وقد قص أحسن القصص علينا قوله وفعله…

ولكن؛ التاريخ ليس عنده كبير، وستكون مشكلة الجنرال أنه لن يكون أكبر راس هناك، لأن التاريخ سيضعه في الرقعة الطراودية المناسبة لهذا الخيال الأسطوري الذي لا ينتهي!! التاريخ وحده سيدون لنا "تاريخ الرجل المريض" ولن يرحمه أبداً، فالتاريخ وإن زيف وعدل وبدل وسرد وبرر، يبقى الحدث هو أصل الرواية وكيفما ساقها التاريخ لنا!!

المصدر:
الشرق

خبر عاجل