لم يعد اللبنانيون بحاجة الى برامج النكات الرائجة التي تتسابق محطات التلفزة الى بثها طالما انهم على موعد شبه يومي مع الحلقات الهزلية التي يبرع مسؤولو الحزب الالهي ويتبرعون بعرضها من على المنابر والشاشات.
يخرج مسؤول اليوم يطلق تصريحا لا يخالف نشيد التهديد الثوري ويبشر الجميع بنهايات كربلائية في زمن الموت المستمر منذ ما يزيد على 1400 عام لكنه لا يلبث ان يسحب كلامه ليدعي ان كل ما صورته كاميرات التلفزة جرى تحريفه أو أسيئ تفسيره، مفارقة جديدة في خطاب "أشرف الناس" الذين ما زالوا بأعين انفسهم وحسب يملكون القدرة على الاقناع، لكنهم بنظر غالبية اللبنانيين باتوا أحوج ما يكونوا الى رصيد من الصدقية لينفقوا منه.
التراجع السريع والمريع في سحب رئيس كتلة الوفاء للمقاومة، محمد رعد، لتصريح المهل الزمنية الشهير ونفيه لمضمون خطابه يثير تساؤلات عن اسباب ذلك. فهل من علاقة لإشارة خفية جاءت من خلف الحدود لتوحي بأن القوى الاقليمية ما زالت ممسكة بزمام الامور وان "الحزب" لا يملك في هذا الاطار اي قرار؟ وإذا كانت هذه الدلالات في مكانها فبالتالي يجدر بكل القوى الداخلية عدم الالتفات الى اي خطاب يطلقه مسؤولو "الحزب" من الآن فصاعدا والتركيز على التعاطي مع أولياء الأمر الذين يمسكون بالاوراق والذين يبدون حريصين حتى اشعار آخر على عدم انفجار الوضع الداخلي بخلاف ما يروج له "الحزب" او يسعى له.
بعدما عود الحزب الالهي جمهور اللبنانيين على ان خطابه لا يقبل التشكيك وان منطق قطع الايدي والاعناق وتبليط البحار هو ما يتوجب عليهم سماعه وإطاعته من دون تفكير، تكشفت الايام الاخيرة عن نوع جديد من المعالجة على طريقة "يا ضفدع بنت ضفدعين، نقي ما تنقين، نصفك في الماء ونصفك في الطين، لا الماء تكدرين، ولا الشراب تمنعين"، التي ألفها مسيلمة بن حبيب الحنفي المعروف بـ"مسيلمة الكذاب".
والمفارقة ان النائب رعد يقول: "نحن لا نهدد ولا نتوعد، لكن طبيعة الامور، هي ان الكرة ستتدحرج تلقائيا بشكل سلبي يهدد الاستقرار في البلد. هل سيبقى بلد أو حكومة إذا صدر قرار مفبرك واتهامات ملفقة لأبرياء؟". وهنا ايضا يحضر مسيلمة مرة جديدة بنفس المنطق في ما ينقل عنه قوله: "والليل الدامس، والذئب الهامس، ما قطعت أسَيِّد (احدى قبائل العرب) من رطب ولا يابس، والليل الأطحم، والذئب الأدلم. والجذع الأزلم، ما انتهكت أسَيِّد من مَحْرَم".
بعد حرب الملفات، انقلبت الموازين وصار التهديد سمة المرحلة، لكنه التهديد القائم على منطق الكذب واختلاق الحجج التي لا تقنع احدا، بما يشي بأحد أمرين: إما ان مطلقيه يعانون حالا هي اقرب الى جنون العظمة كما طغاة التاريخ الذين لم يدركوا ان هيكلهم هش لدرجة انه لا يحمل شطط احلامهم، وإما انهم قرروا خوض مواجهات "دون كي شوت" مستفيدين من استرتيجيات "مسيلمة الكذاب".