بورتريه: فؤاد أبو ناضر العالق في “البوسطة” يحلل كل حروب المسيحيين

كتب نبيل المقدم  في "السفير": التجارب الحربية الأولى نسجها طالب كلية الطب في شوارع الدكوانة والاسواق التجارية. صغر سنه حال دون دخوله الى غرف اتخاذ القرارات في ذلك الوقت. يصف ابو ناضر الوضع الميداني بداية الحرب: تراجع مقاتلونا عن معظم مواقعهم بسبب سوء التنظيم. الخسائر الكبيرة في الارواح تسببت بحالة إحباط عندهم. أصبحوا يخافون الوجود على الجبهات الخطرة. سقط ستة عشر مقاتلا في يوم واحد في "معركة الاسواق" التجارية "بينهم ابن خالتي أمين أسود". تراجيديا هذا النهار حسمت قرار بيار الجميل برمي شباك الاستغاثة بكل من سوريا واسرائيل في الوقت نفسه!

أنقذ السوريون معركة "الجبهة اللبنانية" ضد تل الزعتر من احتمال الفشل. أمدونا بالعتاد وعملت استخباراتهم على إسقاط المخيم من الداخل. التناقضات الشمعونية – الكـتائبية وجدت لها حيزاً في تلك المعركة. منع الكتائبيون حلفاءهم في "حزب الاحرار" من مهاجمة المخيم في الساعات الاولى للمعركة وأطلقوا عليهم النار.

عمل جوني عبده ومن ورائه المخابرات السورية على تعميق الخلافات بين بشير الجميل وداني شمعون من جهة وبين بشير وشقيقه أمين من جهة أخرى. أقام السوريون قنوات اتصال دائمة مع داني شمعون وزودوه برخص سلاح وأوامر مهمة عندما كانت قواتهم في المنطقة الشرقية. هذا المشهد أثار حفيظة بشير على حليفه.

خبر ابو ناضر العلاقات "القواتية" – الاسرائيلية واطلع على تفاصليها ولا سيما في مرحلة "حرب الجبل" في العامين 1982 و1983. حاول الإسرائيليون إخضاع هذه العلاقة لمنطق الإذلال. شعر "القواتيون" بخطأ صعودهم الى منطقة الجبل وانهم باتوا في مصيدة أصبح الفكاك منها أمراً لازماً. قررت قيادتهم برئاسة فادي افرام الانسحاب. هدد الاسرائيليون بمنعهم بالقوة. حرضوا الاهالي في القرى المسيحية على رفض القرار وأغروا سمير جعجع بالبقاء في بحمدون. راهن جعجع على نجاح يحرزه في معركة الجبل يجعل حضوره السياسي والشعبي الاكثر امتدادا بين الزعامات المسيحية في لبنان.

في بحمدون، كان المشهد سورياليا، شاهد ابو ناضر قوافل السلاح المرسلة الى الاشتراكيين من دمشق "تمر على حواجز الإسرائيليين". احتجاجاتنا قابلها الاسرائيليون باستغراب. قال ضابط الارتباط الاسرائيلي لفؤاد أبو ناضر: "من أين تريد لسلاحهم أن يمر؟ نحن لم نأت لخدمتكم فقط". ضابط اسرائيلي آخر قال: "سيكون الوضع عند انسحابنا أصعب مما كان قبل دخولنا". انهيار "القوات" السريع في الجبل يعزوه قائدها السابق الى سببين، الاول، ضخامة المساندة التي تلقاها "الحزب التقدمي الاشتراكي" من القوات السورية والاحزاب الفلسطينية (تحديدا أبو موسى وأحمد جبريل) وبعض الاحزاب اليسارية في معركة بحمدون. والثاني، إعاقة القوات الاسرائيلية لمدفعية "القوات". "وضع الاسرائيليون دباباتهم أمام عدد من مرابضنا في الجبل وبيروت ومنعوها من القصف"، يقول رئيس اركان "القوات" السابق. "نعم كانوا يريدون خسارتنا من أجل الإخلال بالتوازن في منطقة الجبل".

قرر فؤاد ابو ناضر عدم توريث "مأساة الجبل" الى مسيحيي الجنوب وإقليم الخروب. أبلغ الاسرائيليين نيته فتح الطريق الساحلية الى الجنوب بعد انسحابهم الى ما وراء الاولي. حاول الاسرائيليون تعطيل القرار عبر الضغط على قيادة "القوات" وعرقلة الإمدادات القادمة الى شرق صيدا وإقليم الخروب عبر البحر. كان في خطتهم بقاء "القوات اللبنانية" عند نهر الدامور حماية لهم بعد انسحابهم. أقنع رئيس أركان "القوات" فؤاد ابو ناضر قيادته بصوابية توجهاته. شعر الاسرائيليون للمرة الاولى في تاريخ علاقتهم بـ"القوات اللبنانية" ان الامر أسقط من يدهم. يقول أبو ناضر إن اقتناعه بتولي قيادة "القوات" في العام 1984 كان في جزء كبير منه مرتبطاً بهذا المشروع. توصل قائد "القوات اللبنانية" الى اتفاق مع الاشتراكيين والقوى الفاعلة في صيدا يقضي بمنع تهجير أهالي قرى شرق صيدا واقليم الخروب لتجنيبهم مرارة ما حصل في الجبل. لم يتسن لدورة الاستقرار ان تكتمل. سباق القفز الى السلطة في 12 آذار عام 1985 ينتهي بإزاحة ابو ناضر لمصلحة الثلاثي ايلي حبيقة وكريم بقرادوني وسمير جعجع. وقع مسيحيو المنطقة في كمين الصراعات الداخلية.
أسئلة تتزاحم عند أبو ناضر حول أسباب إنهاء سمير جعجع مرحلة التوافق في اقليم الخروب وشرق صيدا وافتعاله المشاكل التي أدت الى تهجير السكان.. تماما كما حصل في الجبل الجنوبي (الشوف وعاليه وبعض بعبدا).

حركة الثاني عشر من آذار 1985 لم تكن كما روج لها لتحرير القرار المسيحي من المؤثرات السورية. الجميع داخل القيادة كان قد اقتنع بعبثية الرهان على المشروع الاسرائيلي. المنتفضون أرادوا التفرد بمخاطبة السوريين. كانوا يعتبرون ان من يتزعم "القوات اللبنانية" يمسك بناصية القرار المسيحيي. "الرسالة التي يفوض فيها سمير جعجع وكريم بقرادوني الرئيس أمين الجميل التفاوض باسمهم مع دمشق أظهرت حقيقة النوايا"، يقول حفيد بيار الجميل.

تتوالى الانتفاضات العسكرية داخل "القوات اللبنانية" في صراع لا طائل منه إلا السيطرة والنفوذ والسلطة. يشترط سمير جعجع على شركائه في العملية إخفاء الامر عن فؤاد ابو ناضر وعدم دعوته للانضمام اليها. حاول ابو ناضر التدخل لوقف القتال ووجه نداء من إذاعة "صوت لبنان" الكتائبية لقرع أجراس الكنائس في المناطق المسيحية لكن دون طائل.

تحولت "المنطقة الشرقية" بعد الانقلاب على "الاتفاق الثلاثي" الى "مقاطعة صغيرة يحكمها مستبدون"، يقول أبو ناضر. حاول بعض المأزومين التحرك بدعم من الرئيس أمين الجميل. تم الاستيلاء على بعض ثكنات "القوات" من قبل مارون مشعلاني وسامي خويري في العاشر من آب 1986. يصطحب فؤاد أبو ناضر بسيارته سمير جعجع من جبيل الى اجتماع في بيت الكتائب في الصيفي لحل الموضوع. الاجتماع الشهير ينتهي الى تسوية مقبولة عند جميع الاطراف.

اتفاق على متابعة الاجتماع في مبنى المجلس الحربي الكتائبي في الكرنتينا بين سمير جعجع وفؤاد ابو ناضر. يعتذر جعجع عن عدم اصطحاب أبو ناضر له ويصر على المغادرة وحده. في طريقه الى هناك ينهمر الرصاص على أبو ناضر من حاجز "قواتي" في الكرنتينا بعدما تعرف مسؤول الحاجز وأوعز لعناصره بإطلاق النار. ساعات حرجة قضاها فؤاد ابو ناضر في غرفة العمليات في المستشفى قبل أن ينجو من الموت بأعجوبة.

ابتعاد ابن بلدة بسكنتا اليوم عن "القوات" جعله أقرب الى خوض حياة حزبية وديموقراطية يعيشها من خلال "جبهة الحرية" التي أسسها مع رفاق له في العام 2006 وهو يتولى منصب منسقها العام منذ العام 2008.

المصدر:
السفير

خبر عاجل