مهما كتب بعضهم، ومهما قال بعضهم الآخر، لا شيء سيغيّر في قرارنا الذاتي بعدم الغوص في أخبار الحرب اللبنانية وأسرارها في الوقت الراهن. وقرارنا ينبع من اقتناع كامل بأن الوقت لم يحن لقول كل شيء لأن قول الحقيقة مهم جدا ولكن الأهم أن يكون في التوقيت المناسب. ولكن يبقى من حقنا ألا نسمح لبعضهم، سواء عن جهل أو سوء نيّة وعن قصد أم غير قصد، أن يحوّر وقائع تاريخية بهدف تشويه الحقائق وتزوير التاريخ.
وفي هذا الإطار كان لافتا ما نشرته جريدة "السفير" بتاريخ السبت 11 كانون الأول 2010 ضمن "بورتريه" كتبه الزميل نبيل المقدّم تحت عنوان: "فؤاد أبو ناضر العالق في "البوسطة"… يحلل كل حروب المسيحيين". (لقراءة المقال إضغط هنا) وإذا كنا نصرّ على عدم الغوص في كل التفاصيل التي سيأتي دورها يوما، إلا أنه يجب التوقف عند محطات في المقال المنشور، ومنها حين يقول الكاتب نقلا عن أبو ناضر: "شعر «القواتيون» بخطأ صعودهم الى منطقة الجبل وانهم باتوا في مصيدة أصبح الفكاك منها أمراً لازماً. قررت قيادتهم برئاسة فادي افرام الانسحاب. هدد الاسرائيليون بمنعهم بالقوة. حرضوا الاهالي في القرى المسيحية على رفض القرار وأغروا سمير جعجع بالبقاء في بحمدون. راهن جعجع على نجاح يحرزه في معركة الجبل يجعل حضوره السياسي والشعبي الاكثر امتدادا بين الزعامات المسيحية في لبنان".
في هذا الكلام مغالطات كثيرة، والأهم أنه يغفل محطات أساسية. وفي هذا الإطار لا بدّ من طرح الاسئلة الآتية: كيف صعد سمير جعجع الى الجبل؟ ومن اتخذ القرار بذلك؟ ومن طلب منه ذلك؟ وكيف أتى جعجع من جبهة الشمال ومسؤولياته على تلك الجبهة الى قرى الجبل مع مجموعة من رفاقه؟
والإجابة عن هذه الاسئلة التي لم يتطرّق إليها أبو ناضر يرويها أحد قياديي "القوات اللبنانية" العسكريين في تلك المرحلة، وهو الآن ليس من المقرّبين لجعجع. يقول: "كان الجبل يشكل هاجسا كبيرا لدى مسؤولي "القوات اللبنانية"، وكان ثمة إحساس عارم بأن المعركة المقبلة ستكون أكبر من قدرة "القوات" على مواجهتها. لكن لم يكن أحد يريد أن يتحمّل مسؤولية قرار الانسحاب من الجبل لما قد يكون لمثل هذا القرار من انعكاسات مباشرة على الوجود المسيحي عامة والوجود القواتي بشكل خاص في قرى الجبل. وكان لممارسات المجموعة التي كانت بإمرة منير الديك (يتبع بشكل مباشر لفؤاد أبو ناضر) أثر سييء جدا بسبب ما ارتكبته بحق أبناء الطائفة الدرزية في قرى عدة. هكذا وجد مسؤولو "القوات" أنفسهم بين حدّين خطرين: قرار الانسحاب الذي لم يكونوا يجرؤون على اتخاذه وقرار المواجهة الذي كانوا جميعهم يخشونه ويرفض أي منهم أن يصعد الى الجبل ليتحمّل مسؤولية القيادة العسكرية".
ويتابع المسؤول العسكري القواتي: "في أحد الاجتماعات "غير الرسمية"، حيث كان موجودا كل من فؤاد أبو ناضر، الياس الزايك، توتو بريدي، فادي افرام، مسعود الأشقر وإيلي طنوس، تم طرح موضوع من سيصعد الى الجبل. كل الموجودين تهرّبوا ولم يكن أحد منهم يريد تجرّع هذه الكأس. فبادر الزايك الى طرح الآتي: "لماذا لا نطلب من سمير جعجع أن يصعد الى الجبل؟". سكت الجميع أمام هذا الطرح الذي بدا أنه يشكل مخرجا لهم. فمن جهة لا يتحمّل أي منهم مسؤولية طرح قرار الانسحاب وما قد يكون له من تداعيات كارثية على صورته المسيحية، ومن جهة أخرى يتحمّل جعجع وحده مسؤولية المواجهة التي تبدو خاسرة سلفا. هكذا سأل بريدي: "هل يقبل سمير؟". فأجاب الزايك: "سمير يحب المواجهات الصعبة والتحديات. فلنعرض الموضوع عليه".
وهذا ما حصل بالفعل. أرسلوا بطلب جعجع الى المجلس الحربي. عرضوا عليه الصعود الى الجبل للضرورات القسوى ووضع حدّ للنزف. والمطلوب كان تعزيز قدرات الصمود في قرى الجبل.
صمد سمير جعجع وصمد معه أهالي الجبل. منذ لحظة وصوله عمد الى خلق دينامية أعطت مفعولها بشكل كبير. كان الجبل يتحضر للمعركة غير المتكافئة: "القوات اللبنانية" وحدها من جهة وبإمكانات محدودة جدا، وفي المقابل اجتمع الجميع عليها: الاشتراكيون وكل أفرقاء الحركة الوطنية والفلسطينيون والسوريون إضافة الى التسهيلات الكبيرة التي كان يقدّمها الإسرائيليون.
أما الوعد بإرسال الجيش اللبناني لضبط الأوضاع، فربما يأتي يوم يروي فيه العماد ابراهيم طنوس تفاصيله، ولِمَ لَم يصدر الأمر بإرسال الجيش.
بدأت المعركة. كان المطلوب أن يصمد المقاتلون بقيادة جعجع 24 ساعة لحين وصول التعزيزات والجيش اللبناني. صمد جعجع 72 ساعة في معارك بطولية، لكن الجيش والتعزيزات لم تصل حتى اليوم.
وينتقل أبو ناضر في روايته المنقولة في "السفير" الى معركة شرق صيدا فينقل الكاتب عنه: "أسئلة تتزاحم عند أبو ناضر حول أسباب إنهاء سمير جعجع مرحلة التوافق في اقليم الخروب وشرق صيدا وافتعاله المشاكل التي أدت الى تهجير السكان.. تماما كما حصل في الجبل الجنوبي (الشوف وعاليه وبعض بعبدا)".
وهنا يتبادر الى ذهننا السؤال: هل كان سمير جعجع قائدا لـ"القوات" عام 1985؟ وهل كان يملك وحده سلطة اتخاذ القرارات؟
وأيضا يتكرر السيناريو: المطلوب كبش محرقة اسمه سمير جعجع.
لكن "الحكيم" كان اتعظ من حرب الجبل، وأدرك في شرق صيدا أيضا أن حظوظ المعركة معدومة. انتقل الى محاولة تأمين حل سياسي لدى بطريرك السياسة المسيحية آنذاك الرئيس الراحل كميل شمعون. اجتمع معه ووضعه في صورة ما يجري. وبعد اتصالات تولاها شمعون مع رئيس الجمهورية عاد الى جعجع بالجواب الآتي: "نفذ انسحاب آمن من المنطقة وسينتشر الجيش اللبناني. لدي تعهد من فخامة الرئيس بذلك".
هكذا نفذ جعجع الانسحاب من شرق صيدا لكن الجيش مرة جديدة لم ينتشر، ما سمح للميليشيات الموجودة في المنطقة بتنفيذ هجوم على القرى المسيحية وتهجيرها. فعن أي توافق يتحدث أبو ناضر؟ وأي مشاكل افتعلها جعجع؟ وعندما يشير عن مشاكل المتن الجنوبي ألا يقصد المشاكل التي تسبّب بها أحد التابعين له مباشرة (لأبو ناضر) والذي ذكرناه منير الديك؟؟؟
أما قمة الكذب الفاقع فتكمل حين يقول الكاتب نقلا عن أبو ناضر نفسه: "تحولت «المنطقة الشرقية» بعد الانقلاب على «الاتفاق الثلاثي» الى «مقاطعة صغيرة يحكمها مستبدون»، يقول أبو ناضر. حاول بعض المأزومين التحرك بدعم من الرئيس أمين الجميل. تم الاستيلاء على بعض ثكنات «القوات» من قبل مارون مشعلاني وسامي خويري في العاشر من آب 1986. يصطحب فؤاد أبو ناضر بسيارته سمير جعجع من جبيل الى اجتماع في بيت الكتائب في الصيفي لحل الموضوع. الاجتماع الشهير ينتهي الى تسوية مقبولة عند جميع الاطراف.
اتفاق على متابعة الاجتماع في مبنى المجلس الحربي الكتائبي في الكرنتينا بين سمير جعجع وفؤاد ابو ناضر. يعتذر جعجع عن عدم اصطحاب أبو ناضر له ويصر على المغادرة وحده. في طريقه الى هناك ينهمر الرصاص على أبو ناضر من حاجز «قواتي» في الكرنتينا بعدما تعرف مسؤول الحاجز وأوعز لعناصره بإطلاق النار. ساعات حرجة قضاها فؤاد ابو ناضر في غرفة العمليات في المستشفى قبل أن ينجو من الموت بأعجوبة".
وهنا لا بدّ من السؤال: الى ماذا تحوّلت المنطقة الشرقية بعد انتفاضة 15 كانون الثاني 1986 والتي أسماها الانقلاب على الاتفاق الثلاثي؟ وهل شهدت المناطق المسيحية و"القوات اللبنانية" منذ اغتيال الرئيس الشهيد الشيخ بشير الجميل عصرا ذهبيا طوال الحرب اللبنانية أفضل من الذي أعقب انتفاضة 15 كانون الثاني 1986 واستمر حتى وصول العماد ميشال عون الى السلطة في 23 أيلول 1988؟
أما رواية بعض الحوادث الصغيرة التي أعقبت انتفاضة 15 كانون الثاني فتبدو ملتوية بشكل كبير. ولا بدّ في هذا الإطار من أسئلة عدة:
– إذا كان يحاول أبو ناضر أن يوحي بأن جعجع رفض أن يكمل الطريق معه من بيت الكتائب الى المجلس الحربي لمتابعة الاجتماع لأنه كان أعد العدة لكمين له، فهذا يشكل مهزلة غير مقبولة لأن ما أسماه أبو ناضر "كمينا" كان حاجزا قواتيا بعد مفرق المجلس الحربي بعدة مئات من الأمتار في اتجاه جونية. وبالتالي لو أن جعجع كان يعدّ كمينا لأبو ناضر كان يفترض أن يكون المكان قبل مفرق المجلس الحربي كون أبو ناضر كان يفترض أن يقصد المجلس في الكرنتينا لمتابعة الاجتماع.
والأهم هو معرفة حقيقة هذه الكذبة الإضافية من أبو ناضر. فما حصل أن أبو ناضر تخطى الحاجز القواتي من دون التوقف، ولم يكن أحد قد تعرّف إليه بعد، فأطلقت العناصر النار في اتجاهه ما أدى الى إصابته إصابات طفيفة جدا. بعد إصابته تقدّمت منه عناصر "القوات اللبنانية" فتعرّفت إليه وعندها تمت مساعدته ونقله إلى المستشفى.
عيب الكذب لمجرد الكذب وتشويه الحقائق.
الثابت الأكيد أن أحدا لم يكن في وارد العودة الى الوراء بعد نجاح الانتفاضة. لكن جعجع، وبعد أن حسم السيطرة على الأرض عسكريا، قبل أن يجتمع مع الآخرين للبحث في أي تسويات مع تأكيد موقعه كقائد لـ"القوات اللبنانية". والغريب فعلا هو لماذا لم يكمل أبو ناضر الرواية التي بدأها بـ"خبرية" السيطرة على بعض الثكنات في 10 آب 1986؟ وكيف انتهت الأمور؟ وكيف تهاوى المذكورون تباعا واستسلموا؟؟؟
مؤسف أن بعضهم لا يزال يعيش في أوهام الماضي ولا يزال الى اليوم يلهث لافتعال بعض صراع على مكانة ولو على حساب تاريخ المسيحيين وحاضرهم ومستقبلهم!